التُّروكُ النَّبويَّةُ تُقابلُ الأفعالَ، وهي أنواعٌ:
١ـ تركُ المحرَّمِ، وهذا ظاهرٌ.
٢ـ تركُ المكروهِ تشريعًا، كما في تركهِ - ﷺ - مُصافحَةَ النِّساءِ في البيعةِ وتقدَّم التَّمثيلُ به في قسم (المكروه) من أقسامِ (الحُكمِ التَّكليفِيِّ) .
٣ـ ترك المكروهِ طبعًا، كما في كراهته - ﷺ - أكلَ الضَّبِّ.
فعن خالدِ بن الوليدِ ﵁: أنَّه دخلَ معَ رسول الله - ﷺ - بيتَ ميمونَةَ، فأُتي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسول الله - ﷺ - بيدِهِ، فقال بضُ النِّسوةِ: أخبرُوا رسول الله - ﷺ - بما يُريدُ أن يأكُلَ، فقالوا: هوَ ضبٌّ يا رسول الله، فرَفَعَ يَدَهُ، فقلتُ: أحرامٌ هوَ يا رسول الله؟ فقالَ: «لاَ، ولكنْ لم يكُن بأرضِ قومِي، فأجِدُني أعافُهُ»، قال خالدٌ: فاجتررتُهُ فأكلتُه ورسول الله - ﷺ - ينظرُ [متفقٌ عليه] .
٤ـ أن يتركَ - ﷺ - الشَّيءَ الحقِّ الغيرِ، كما في تركِهِ أكلَ الثُّوم والبصلِ في جميعِ الأحوالِ لحقِّ الملائكَةِ.
[ ١٣١ ]
فعنْ جابرِ بن عبد الله ﵄: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: «مَنْ أكلَ ثُومًا أو بصلًا فليَعْتزِلْنَا» أو قال: «فليَعْتَزِل مسجِدَنَا وليقعُدْ في بيتِهِ»، وأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أُتي بقِدرٍ فيه خضِراتٌ من بُقولٍ، فوجَد لهَا ريحًا، فسأل فأُخبرَ بما فيها من البُقولِ، فقال: «قرِّبُوهَا» إلى بعض أصحابهِ كان معهُ، فلمَّا رَآهُ كرِهَ أكلهَا قال: «كُلْ فإنِّي أُناجِي من لا تُناجِي» [متفقٌ عليه] .
فهذا النَّوعُ كالَّذي قبلهُ، من جهَةِ أنَّ التَّركَ ليسَ بتشريعٍ للأمَّةِ.
٥ـ أن يترُكَ - ﷺ - الشَّيءَ مخافَةَ أن يُفرضَ على أُمَّتِهِ.
كما قالتْ عائشةُ ﵂: إنْ كانَ رسول الله - ﷺ - ليَدَعُ العملَ وهوَ يُحبُّ أن يعْملَ بهِ خشيَةَ أن يعمَلَ بهِ النَّاسُ فيُفرضَ عليهِمْ [متفقٌ عليه] .
وعنهَا أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ - صلَّى ذاتَ ليلةٍ في المسجِدِ، فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ، ثكَّ صلَّى من القَابلَةِ، فكثُر النَّاسُ، ثمَّ اجتمعُوا من اللَّيلةِ الثَّالثة أو الرَّابعة، فلم يخرُجْ إليهم رسول الله - ﷺ -، فلمَّا أصبحَ قالَ: «قَدْ رأيتُ الَّذي صنعتُمْ، ولم يمْنَعْنِي من الخُروجِ إليكُم إلاَّ أنِّي خشيتُ أن تُفرضَ عليكُم» وذلك في رمضَانَ [متفقٌ عليه] .
فهذا التَّركُ زالَ المحذُورُ منه بموتهِ - ﷺ - وانقطَاعِ الوحي، لكنَّ من أهلِ العلمِ من نبَّه على شيءٍ يستفادُ من مثلِ هَذا الحديثِ في حقِّ
[ ١٣٢ ]
العُلماءِ والدُّعاةِ إذا كانُوا ممَّن يُؤخذُ عنهُمْ: أن لا يُواظِبُوا أمامَ الملإِ على فعلِ المندُوبِ خشيةَ أن يحسَبَهُ النَّاسُ واجبًا أو سنَّةً لا تُتْرَكُ.
٦ـ أن يُترك - ﷺ - ما لاحرج فيهِ ممَّا أباحَهُ لغيرِهِ من أُمَّتِه لإقبالِهِ على ماهوَ أتَمُّ في حقِّهِ وأكملُ.
مثالهُ: حديثُ عائشةَ ﵂: أنَّ أبابكرٍ ﵁ دَخلَ عليهَا وعندَهَا جاريَتَانِ تُدفِّقانِ وتضْرِبانِ، والنَّبيُّ - ﷺ - مُتغشٍّ بِثوبِه، الحديث [أخرجهُ البخاريُّ وغيرُهُ] .
وهذا النَّوعُ من التَّركِ سُنَّةٌ حسنةٌ، ولا تقبَحُ مُخالفتُهُ.
٧ـ أن يترُكَ - ﷺ - الانتِقَامَ لحظِّ نفسِهِ أخْذًا بأولى الخَصلَتيْنِ، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٠ـ ٤٢]، ومن هذا حديثُ أُبيِّ بنِ كعبٍ ﵁ قالَ: لمَّا كانَ يومُ أُحُدٍ قُتلَ من الأنصارِ أربعةٌ وستُّونَ رجلًا، ومن المُهاجرِينَ سِتَّةٌ، فقال أصحابُ رسول الله - ﷺ -: لئنْ كانَ لنَا يومٌ مثلُ هذا من المُشركينَ لنُربِينَّ عليهِمْ، فلمَّا كانَ يومُ الفتحِ قالَ رجلٌ لا يُعرفُ: لا قُريشٌ بعدَ اليَومِ، فنادَى مُنادي رسول الله ً: «أمِّنِ
[ ١٣٣ ]
الأسوَدَ والأبيضَ إلاَّ فُلانًا وفُلانًا» ناسًا سمَّاهم، فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، فقال رسول الله - ﷺ -: «نصْبِرُ ولاَ نُعَاقِبُ» [أخرجه عبدُالله بن أحمد في «زوائد
المسند» ٥/١٣٥ بإسنادٍ جيِّدٍ، وبنحوهِ عندالتِّرمذيِّ والنَّسائي في التَّفسيرِ] .
وهذا النَّوعُ من التَّركِ لا تخفَى شرعيَّةُ الاقتِداءِ فيهِ.
٨ـ أن يترُك - ﷺ - الشَّيءَ المطلوبَ دفعًا للمفسدَةِ الأكبرِ.
وهذا كالَّذي حدَّثتْ به عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال لها: «يا عائشة، لولاَ أنَّ قومَكِ حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ، لأمرتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فأدْخلتُ فيه ما أُخرِجَ منهُ وألزَقْتُه بالأرضِ، وجعلتُ لهُ بابينِ بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فبَلَغْتُ بهِ أساسَ إبراهيمِ» [متفقٌ عليه] .
فهذا تركٌ منهُ - ﷺ - خشيَةَ أن يقعَ بالفِعلِ مفسَدَةٌ تربُو على هذه المصلحَةِ، وقد فعلَ ذلكَ عبدُالله بن الزُّبيرِ في خلافَتِهِ ظنًّا منهٌُ أنَّ المحذُور قدْ زالَ، فلمَّا قُتلَ أعادَهُ بنُوأُميَّة كما كانَ، كما جاءَ ذلكَ في بعضِ رواياتِ مسلمٍ.
وهذا من التُّروكِ هديٌ عظيمٌ للعلماءِ والآمرينَ بالمعروفِ والنَّاهينَ عن المُنكرِ، أنْ يُقدِّرُوا في أفعالهم وتُروكهِم المصالحَ والمفاسدَ، فإنْ غلبَ ظنُّ جانبِ المفسَدَةِ بالفعلِ فالسُّنَّةُ التَّركُ، وإنْ
[ ١٣٤ ]
غلبَ جانبُ المفسَدَةِ بالتَّركِ فالسُّنَّةُ الفِعلُ.