بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله؛ نحمدُه ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذبالله من شرورِ أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ شرف العلمِ لا يخفى، وهو درجاتٌ ومنازلُ تعرفُ بما تتَّصلُ به، فسمُوُّها من سُمُوِّه، وقدْرها من قدْرهِ، فلذا كان أعلاها علومَ الدِّين التي تُدركُ بها معانيه وأسرارُه، وإنما شرُفتْ وعظُم قدْرُها لصِلتها بالله ربِّ العالمين، فهي العلومُ الموصلَةُ في الحقيقةِ إليهِ، وهذا معنى أكبرُ من علُوم الشَّريعةِ المقنَّنةِ بالاصطلاحِ، بل هو شاملٌ لما يُحقِّق من العلومِ أسبابَ الوُصولِ إلى الله عزَّوجلَّ، فيندرجُ تحتهُ كلُّ علمٍ أدَّى إلى هذه الحقيقةِ وإن أُلصِقَ بالدُّنيا في عرفِ النَّاسِ، لكن من العلمِ ما يصيرُ إلى هذه الحقيقةِ بالمقاصِدِ والنِّيَّات، ومنه ما هو من هذه الحقيقةِ بأصلهِ، كالعومِ التي يُدركُ بها مرادُالله ورسولهِ - ﷺ -، فهذه علومٌ باقيةٌ كطريقٍ موصلٍ إلى الله وإن فسدتْ في طلبها النِّيَّاتُ
[ ٥ ]
والمقاصدُ، على أنه ما من إنسانٍ يسعى لتحصيلهَا فيجدُ لذَّتَها عندَ الطَّلبِ إلاَّ وجرَّتْهُ بنفسهَا إلى الإخلاصِ، كما قال مجاهدٌ ﵀: طلبْنا هذا العلمَ، وما لنا فيه كبيرُ نيَّةٍ، ثمَّ رزقَ الله بعدُ فيهِ النيَّةَ [أخرجه الدَّارمي بسندٍ حسنٍ] .
وأعظمُ العُلوم الَّتِي يُدْرِكُ بها مُرادُالله تعالى ورسولِهِ - ﷺ -[علمُ أُصولِ الفقهِ]، فإنَّ الله تعالى أمرَبتدبُّرِ خِطابِهِ فقالَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، كما قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وأعظم ما يؤتاه الإنسانُ من المعرفةِ فقهٌ في دينهِ يُعرِّفهُ بمعبودِهِ ﵎ ويوصلهُ به، وذلك لهُ من المغاليق التي لا تفتحُ إلا بالإخلاص وسؤال الله تعالى التَّوفيق مع بذلِ الجُهدِ في استعمالِ الآلةِ الَّتي هي مفاتيحُ ذلك، والفتحُ فيها علامةٌ على أنَّ الله تعالى أراد الخيرَ بصاحبهَا، كما قال النبيُّ - ﷺ -: «من يُرِدِ اللهُ بهِ خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينَ» [متَّفقٌ عليهِ] .
وتلك الآلةُ هي (أصول الفقهِ)، فهي مفتاحُ الفقه في الدِّين، لكنْ أرأيتَ إن كان مفتاحُك لا أسنانَ لهُ، أوْ لَهُ أسنانٌ لكنَّهُ لمْ يُصْنعْ لهذا البابِ، أتظنُّ أنْ سيفتحُ لكَ؟ كذلك مفتاحُ الأصولِ، فإنه لا بدَّ له من أسنانٍ، ولا بُدَّ أن يكونَ للفِقْهِ، فإنْ خرَجَ عن هذا الوصفِ فليسَ علمًا
[ ٦ ]
لأصولِ الفقهِ، أُشيرُ بهذا إلى أنَّ التَّأصيلَ لهذا العِلمِ خرجَ به كثيرٌ من المنتسبين إليه عمَّا قُصِدَ بهِ، فجاءُوا ليضَعُوا القوانينَ لفقهِ الكتابِ والسُّنةِ، وجلُّهم لا يعلمُون مخارجَ السُّننِ وكثيرٍ من الكتابِ والسُّنةِ وهو ليسَ من أهلهما؟
على أنَّ هذا العلمَ ابتدأ صناعتَهُ وتقنينَهُ على أقربِ صُورةٍ إلى الاستيعابِ والكمالِ الإمامُ أبوعبد الله الشَّافعيُّ المتوفَّى سنة (٢٠٤هـ) في كتابهِ العظيمِ (الرِّسالة)، بناهُ على دلائل الكتابِ والسُّنةِ، بعيدًا عن التكلُّفِ وما لا يترتَّبُ عليه فائدةٌ أو عملٌ، وكانتْ تلكَ الأصولُ منثورةً في طرقِ الأئمَّةِ في الفقهِ قبل الشَّافعيِّ فيها التَّجريدُ والاستدلالُ، فمنْ جاء بعدَهُ بقيتْ فيهم طائفةٌ قليلةٌ على أثرهِ من جميعِ الفُقهاءِ غيرِ الحنفيَّةُ فسلكُوا طريقًا أقربَ إلى الصَّوابِ من أولئكَ الَّذينَ جاءُوا بعدَ الشَّافعيِّ، فإنهمْ نظرُوا في فُروعِ المذهبِ المنقولةِ عن الإمامِ أبي حنيفة وأصحابهِ وتأمَّلُوا طريقةَ فقْهِهمْ، فاسْتَفَادُوا منها التَّأصيلَ، فجاءتْ كُتُبُ كثيرٍ من مُصنِّفيهِمْ في الأصُولِ نافعَةً، من أمثالِ الإمامِ أبي بكْرٍ
[ ٧ ]
الجَصَّاصِ المتوفَّى سنةَ (٣٧٠هـ)، لكن دخلَ متأخِّروهمْ فيما دخلَ فيهِ غيرُهم، وهذا العلمُ لصِلتِهِ بالكتابِ والسُّنةِ يجبُ أن تُستفادَ أصولُهُ منهما، فلذا كان أحسنُ الطُّرُقِ في تقنينِهِ وتأصيلهِ طريقَةَ الشَّافعيِّ ﵀ ومن جرى على مِنْهَاجِهِ.
وهذَا الكتابُ الَّذِي بين يديكَ عوْدَةٌ بهذا العلمِ إلى ذلكَ المِنهاجِ، بأُسلوبِ مناسبٍ للعصرِ في الشَّرحِ والإيضاحِ، سلكْتُ فيه أسْلوبَ التَّقسيمِ والتَّنويعِ مع التَّمثيلِ بأدلَّةِ الشَّريعةِ للمسائلِ الأصوليَّة، وتمييزِ الصَّحيحِ منها بالأدلَّةِ، وأهمُّ خصلةٍ حرصتُ عليها فيه تجنُّبُ تلكَ المسائل الَّتي حُسبتْ على هذا العلمِ وليست منهُ، مع إسقاطِ التَّمثيلِ والاستدلالِ بما لا يثبُتُ من جهَةِ النَّقلِ كالأحاديثِ الضَّعيفةِ، واستدْراكِ قضايا أُصوليَّةٍ كثيرةٍ تفتقرُ إلى ذكرهَا أكثرُ كتُبِ الأصولِ وهي من صميمِ هذا العلمِ، أدَعُ تمييزهَا لمن شاء المُقارنَةَ لهذا الكتابِ بغيرهِ من كتُبِ الأصولِ، كما حرصتُ أن لا يفوتَ شيءٌ لهُ اتِّصَالٌ بهذا العلمِ مما يقعُ منثورًا في كتبِ الأصولِ المتفرقةِ ما جرى منها تصنيفهُ على طريقةِ الشَّافعيِّ أو الحنفيَّةِ أو أهلِ الكلامِ إلاَّ أوردُهُ في هذا الكتابِ، وشرطتُ أن لا أذكر فيه حديثًا أو أثرًا في موضعِ الاستدلالِ والاستشهادِ إلاَّ وهو ثابتٌ من جهةِ النَّقلِ، ولا أُقلِّدُ في عزْوِ الأخبارِ إلى كتبِ الحديثِ، بلْ أستخرجُها من أصُولهَا كالصَّحيحينِ والسُّنَنِ وغيرهَا، كما لا أُقلِّدُ في الحكمِ على إسنادٍ، بل
[ ٨ ]
هي نتيجةُ البحثِ والدِّراسةِ.
ولا أدَّعي في هذا الجُهدِ الكمالَ، لكنِّي قصدْتُ إليه بما آتى الله عزَّوجلَّ من العلمِ والقوَّةِ، فإن كان مُحقِّقًا للغايةِ منهُ فهذا ما أرْجوهُ، وإن كان دُون ذلك فحسْبِي أن يكونَ مُشاركَةً ومُحاولَةً لتذليلِ صِعابِ هذا العلمِ وتيْسِيرِهِ، الأمْرُ الَّذي ليسَ لي فيهِ فضْلُ تفرُّدٍ أدَّعيهِ، بل قد سبقَ إليهِ علماءُ كِبارٌ لم نزَلْ نقْطِفُ من نِتاجِ علمِهم، وسنبقى إن شاء اللهُ، كالشَّيخِ عبد الوهَّاب خلاَّف ﵀، والعلاَّمةِ الفقيه عبد الكريم زيدان مدَّ الله بعُمرِهِ ونفعَ به في كتابيهِما في الأصولِ.
وأُنبِّهكَ إلى أنِّي قصدتُ إلى تركِ إثقالِ الكتابِ بالحواشي في عزْوِ المسائل الأصولية إلى الكتبِ المختلفةِ إرادَةً للتَّخفيفِ، واكتفيتُ بذِكرِ أسماءِ المراجعِ آخرِ الكتابِن لأني لم أعمدْ إلى سياقِ الألفاظِ من تلكَ المراجع بحروفها لأكونَ مضطَرًّا إلى عزوِهَا في أصلِ الكتابِ، وما يكونُ من كثيرٍ من التَّعاريفِ والمصطلحاتِ والتَّقسيماتِ محكيًّا بألفاظه في كتبِ الأصولِ، فهذا النَّمطُ لم أرَ ضرورةً لعزوِهِ لأنَّ الأصوليِّين تواردوا على ذكرهِ، فتراهُ مكرَّرًا بحروفهِ في أكثرهَا من غيرِ عزوٍ لقائلٍ في الغالبِ، لأنها مصطلحات أشْبهَت التَّفسيراتِ اللُّغويَّة، وحسبُ الباحثِ أن يقول فيها: «تفسير هذا اللَّفظِ في اللُّغة كذا»، فكذلك المُصطلحُ الأصوليُّ.
[ ٩ ]
ومن جملةِ ذلك تركي لتفصيلِ التَّخريجِ والتَّحقيقِ للأحاديث والآثارِ، فإنَّ هذا لو أوردتُه لصارَ الكتابُ ضِعفَ حَجْمِهِ، وليسَ إيرادُه من لوازمِ علم أُصولِ الفقهِ.
وسمَّيتهُ (تيسيرُ علم أصول الفقه) على ما قصدتُ إليه فيهِ من تقريبِ هذا العلم وتيسيرهِ على طالبهِ، وتهيئةِ الأسبابِ الواجبِ تحصيلُها للمجتهدِ، ويأتي واحدًا من أهمِّ علومِ الآلةِ الَّتي أرجو أن تكون لي مشاركَةٌ في تسهيلِ عرضها، كما أنَّه يأتي باكورةَ إصداراتِ المركز الّضذي أنشأناهُ في أرضِ المهجرِ بريطانيا (مركز البحوث الإسلامية)، والَّذي نطمعُ أن يُحقِّقَ المقصودَ به لخدمةِ العلومِ الإسلامية على أتمِّ وجهٍ وأكملهِ.
والله عالى أسألُ التَّوفيقَ والسَّداد في القولِ والعمَلِ، وأن يجعلَ هذا الكتابَ قُرَّةَ عينٍ لأولي الألبابِ، وأن يغفر لي ما زلَّ به اللِّسانُ والقلَمُ، هو حسبِي ونِعمَ الوكيلُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بهِ.
وكتب
أبومحمَّدعبد الله بن يوسف الجُديع
يوم عرفة ذ٤١٧هـ الموافقُ للسَّادس عشرَ من نيسان ١٩٩٧م
في مدينة ليذز - بريطانيا ـ
[ ١٠ ]