إذا جاءَ نصُّ الكتابِ أو السُّنَّةِ بالنَّهيِ عن فعلِ، ولمْ يوجدْ لذلكَ النَّهي ما يصرِفُهُ عن دلالتهِ على التَّحريمِ، فهلْ يدلُّ التَّحريمُ لذلك الفعلِ على فسادِهِ وبُطلانِهِ لو وقعَ على الصُّورةِ المنهيِّ عنها أم لا؟
هذه مسألة خطيرةٌ تندرجُ تحتهَا أحكامٌ كثيرةٌ، وقدِ اختلفَ أهلُ
[ ٢٥٥ ]
العلمِ فيها على مذاهبِ كثيرةٍ، والمُحققُ الَّذي تنصرُه الأدلَّةُ مذهبُ من ذهبَ من العلماءِ إلى التَّفصيلِ، وذلكَ بأنَّ النَّهي عن الشَّيءِ واردٌ على ثلاثِ صُورٍ:
١ـ أن يقترنَ بقرينةٍ تدلُّ على بُطلانِ المنهيِّ عنهُ، أو صحَّةِ المنهيِّ عنه، فهذا قد فصلتْ فيهِ القرينةُ، فلا يندرجُ تحتَ القاعدَةِ المذكورةِ.
أمثلتُهُ:
[١] حديثُ عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهماَ، قالَ: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمنِ الكلبِ وإن جاءَ يطلُبُ ثمنَ الكلبِ فاملأ كفَّهُ ترَابًا [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداود] .
فأبطلَ العِوضَ عنهُ، وهذا إبطالٌ للبيعِ وإفسادٌ، فالنَّهيُ قدِ اقتضى الفسادَ بالنَّصِّ.
[٢] حديثُ المغيرةَ بن شُعبةَ ﵁ قالَ: أكلتُ ثُومًا، ثمَّ أتيتُ مُصلَّى النَّبي - ﷺ - فوجدتُه قد سبقَنِي بركعةٍ، فلمَّا قمتُ أقضي وجَدَ ريحَ الثُّومِ، فقالَ: «من أكلَ من هذه البقلةِ فلا يقربَنَّ مسجِدَنا حتَّى يذهبَ ريحُهَا» قال المغيرةُ: فلمَّا قضيتُ الصَّلاةَ أيتهُ، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ لي عُذرًا، فناوِلْنِي يدَكَ، فناولنِي فوجدْتُه والله سهلًا، فأدخلتُها في كُمِّي إلى صدرِي فوجَدَهُ معصوبًا، فقالَ: «إنَّ لكَ عُذرًا» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ وابنُ حبانَ وغيرهما] .
[ ٢٥٦ ]
فنهى النَّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلاةِ في المسجدِ من أكلَ الثُّومَ حينَ شَمَّ رائحتَهُ من بعضِ أصحابِهِ، ولم يُرتِّبْ على ذلكَ شيئًا من إعادَةِ صلاةٍ أو غيرهَا مع اقتضاءِ المقامِ للبيانِ، فدلَّ على الصحَّةِ.
[٣] حديثُ أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله - ﷺ - قالَ: «لا تُصرُّوا الإبلَ والغَنمَ، فمنِ ابتَاعَها بعدَ ذلكَ فهوَ بخيرِ النَّظرينِ بعدَ أن يَحلبُهَا: فإنْ رضيهَا أمسكَهَا، وإن سخِطهَا ردَّهَا وصاعًا من تمرٍ» [متفقٌ عليه] .
فمع النَِّهي عن التَّصريهِ فقد صحَّحَ البيع حيثُ جعلَ للمشتري الخِيارَ بسببِ المضرَّةِ الحاصلَةِ لهُ وهو الخِدَاعُ بالتَّصريةِ.
٢ـ أن يأتي النَّهيُ عن الشَّيءِ لا لشيءٍ يتعلَّقُ بهِ، بلْ لأمرٍ خارجٍ عنهُ، فهذا يقتضي الإثمَ بفعلِ المنهيِّ عنهُ، ولا يقتضي الفسادَ، بلْ يصحُّ الفعلُ وتترتَّبُ آثارُهُ عليهِ.
من أمثلتهِ:
[١] قولهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] .
فهذا نهيٌ عن البيعِ في لفظِهِ، لكنَّهُ نهيٌ عن تفويتِ الجُمُعةِ في معناهُ، والمقصودُ المعنى لا اللَّفظُ، ولذا كانَ كلُّ عملٍ مباحٍ يُسبِّبُ تفويتَ الجُمعةِ داخلًا في هذا النَّهيِ، وليسَ هذا النَّهيُ لشيءٍ يتعلَّقُ
[ ٢٥٧ ]
بنفسِ عقدِ البيعِ، فهو قدِ استوفَى ما يصحُّ بهِ، فكانَ البيعُ على أصلهِ في الصِّحةِ، وتفويتُ الجمُعَةِ معصيَةٌ يُستحقُّ بها الإثمُ لا غير.
[٢] قولهُ - ﷺ -: «لا صلاةَ بحضرَةِ طَعامٍ، ولا هوَ يُدافعه الأخبثانِ» [أخرجه مسلمٌ من حديثِ عائشَةَ] .
فهذا نفيٌ مُقتضاه النَّهيُ عن الصَّلاةِ عندَ حضورِ الطّعامِ وعندَ مُدافعةِ البولِ والغائطِ، والعلَّةُ فيه مُدرَكَةٌ لا تعودُ على الصَّلاةِ بإفسادٍ، وهي ما يقعُ للمصلِّي بذلكَ من التَّشويش في صلاتِهِ ممَّا يؤثِّرُ على خشُوعهِ فيها، لكنْ صحَّ الدَّليلُ على عدمِ اعتبارِ الخُشوعِ مِمَّا يشترطُ لصحَّةِ الصَّلاةِ، بلْ تصحُّ بدونِهِ فلا يُطالبُ بالقضاءِ.
فالنَّهيُ هُنا لم يقتضِ الفسادَ للمنهيِّ عنهُ، لأنَّه لسببٍ خارجٍ عمَّا يصحُّ به ذلكَ المنهيُّ عنه.
٣ـ أن يأتيَ النَّهيُ مطلقًا لا قرينةً معه تدلُّ على فسادِ أو صحَّةِ المنهيِّ عنه، فالأصلُ الَّذي دلَّت عليه الشَّريعةُ فيه أنَّه يقتضي الفسادَ.
ومن بُرهانِ ذلكَ:
حديثُ عائشةَ ﵂ قالتْ: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحدثَ في أمرنَا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردٌّ» .
هذا الحديثُ الصَّحيحُ قاعدَةٌ في إبطالِ كُلِّ عملٍ على غيرِ وفاقِ
[ ٢٥٨ ]
الشَّرعِ، فالمنهيُّ عنه على غيرِ وفاقِ الشَّرعِ فهو باطلٌ، وكلُّ ما يترتَّبُ عليه من الآثارِ فهو فاسدٌ، سوَى ما تقدَّم في النَّوعينِ قبلهُ، حيثُ ظهر استِثناؤهُمَا بدليلِ الشَّرعِ نفسِهِ أو بأصلهِ وقاعِدَتِهِ.
* قاعدة: