*تعريفه:
لغةً: السَّاقطُ والواقعُ، يقالُ: (وجبَ الحائطُ) إذا سقطَ، ومنه قوله تعالى في النُّسكِ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: ذبِحتْ فسقطتْ ووقعتْ إلى الأرضِ.
وفيه معنى الثبوتِ واللُّزومِ، فإنَّ ما يسقطُ يستقرُّ بسقوطهِ ويلزمُ
[ ١٨ ]
الوضعَ الَّذي يسقطُ عليه، ومن ثمَّ قيلَ: (وجبَ البيعُ) أيْ: ثبتَ واستقرَّ ولزِمَ، وهذا أصلُ معنى الواجبِ في الاصطلاحِ.
واصطلاحًا: هو ما طلبَ الشَّارعُ فعله على وجهِ اللُّزومِ، ورتَّب على امتثالهِ المدحَ والثَّوابَ، وعلى تركهِ مع القُدْرةِ الذَّم والعقابِ.
صيغته:
الصِّيغُ الدَّالة على إفادةِ الوجوبِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنةِ كثيرةٌ أهمُّها:
١-صيغة الأمرِ بلفظِ الإنشاءِ، بفعلِ الأمرِ (افْعَلْ) كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، أو المضارعُ المجزومِ بلامِ الأمرِ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، أو اسمِ فعلِ الأمر كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أو المصدر النَّائب عن فعلِ الأمرِ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] .
وسيأتي في مبحث (الأمر) في (قواعد الاستنباط) بيانُ دلالة هذه الصِّيغة على الوُجوبِ.
٢-صيغةُ (أمرَ) وما يتصرَّفُ عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ
[ ١٩ ]
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله - ﷺ -: «وأنا آمركمْ بخمسٍ الله أمرني بهنَّ: السَّمعِ والطَّاعةِ، والجهادِ، والهجرةِ، والجماعةِ»، (جزءٌ من حديثٍ صحيحٍ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرهُ) .
٣-صيغة (كتبَ) و(كُتِبَ)، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقوله - ﷺ -: «إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتُمْ فأحسنُوا القِتلَةَ، وإذا ذبحتُم فأحسنُوا الذِّبح، وليُحِدَّ أحدُكمْ شفْرَتَهُ فليُرِحْ ذبِيحتَهُ» [أخرجه مسلمٌ من حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ] .
٤-صيغةُ (فرضَ) وما يتصرَّفُ عنها، كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: أوجبنا العمل بها.
وعن عبد الله بن عباسٍ ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - لمَّا بعثَ معاذً إلى اليمنِ قال: «إنكَ تقدُمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ، فليكُن أوَّل ما تدعوهمْ إليهِ عبادَةُ الله عزَّوجلَّ، فإذا عرفُوا الله فأخبرهم أنَّ الله فرض عليهمْ خمسَ صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرْهُم أنَّ الله قد فرض عيهم زكاةً تُؤخذُ من أغنيائهم فترَدُّ على فُقرائهِم، فإن أطاعُوا بها فخذْ منهمْ وتوقَّ كرائمَ أموالهِم» [متفق عليه] .
٥-صيغة (لهُ عليك فِعلُ كذا) كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
[ ٢٠ ]
حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله - ﷺ - في حقِّ الرَّجل على امرأته: «ولكم عليهنَّ أن لا يوطئنَ فُرشَكُمْ أحدًا تكرهُونهُ، فإنْ فعلنَ ذلكَ فاضْرِبُوهنَّ ضربًا غير مُبرِّحٍ» [أخرجه مسلمٌ من حديث جابربن عبدِالله]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
٦ـ صيغةُ الخبر الَّتي فيها تنزيل المطلوب منزلةَ التَّامِّ الحاصل تأكيدًا للأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
٧ـ ما ورد فيه ترتيبُ المؤاخذة على تركِ الامتثالِ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقول النبي - ﷺ -: «من لا يرحمُ لا يُرحمُ» [متفقٌ عليه من حديث جريرِ بن عبد الله وأبي هريرة] .
٨ـ وصفُ تركِ الامتثالِ بالمخالفةِ، كحديث أبي هريرة ﵁ قال: «شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ، يُدعى لها الأغنياءُ ويُتركُ الفقراءُ، ومن تركَ الدَّعوةَ فقد عصَى الله ورسولَهُ» [متفق عليه]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] .
٩ـ ما رُتِّب على تركه عدمُ الاعتدادِ بالعملِ، كقوله - ﷺ -: «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ» [متفقٌ عليه من حديث عُبادة بنِ
[ ٢١ ]
الصَّامت]، وقوله - ﷺ -: «لا نكاحَ إلاَّ بوليٍّ» [حديث صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّننِ وغيرهُمْ] .
"مسائل:
١ـ الفعل النَّبويُّ إذا جاء تفسيرًا لواجبٍ مجملٍ كقوله - ﷺ -: «صلُّوا كما رأيتمُوني أصلِّي» [أخرجه البخاريُّ من حديث مالك بن الحُويرِثِ]، وقد صلَّى بفعلهِ، وقوله - ﷺ -: «لِتأخُذُوا مناسِككُمْ» [أخرجه مسلمٌ من حديث جابر بن عبد الله]، وقد حجَّ بفعلهِ، هلْ يكونُ ذلكَ الفعلُ واجبًا؟
التَّحقيقُ الَّذي عليه أكثرُ أهلِ العلمِ أنَّ البيانَ بالفعلِ واقعٌ على ما هوَ واجبٌ كالرُّكوعِ والسُّجودِ في الصَّلاةِ، وعلى ما هو مندُوبٌ كرفعِ اليدينِ وصفِّ القدمينِ ووضعِ اليُمنى على اليسرَى، فمجرَّدُ الفعلِ النَّبويِّ لم يُحل المندوبَ منها واجبًا، وذلك لوْ صحَّ فإنَّهُ يعني أنَّ المندوباتِ في حقِّه - ﷺ - انقلبتْ واجباتٍ بفعلهِ في حقِّ أمَّتهِ، وهذا معنى لا يُتصورُ، فالتكليفُ في حقِّه - ﷺ - مقطوعٌ بأنهُ آكدٌ منهُ فبي حقِّ أمَّتِهِ.
فلا يصلُحُ إذًا إطلاقُ أنَّ فعل النبي - ﷺ - إذا كان بيانًا لواجبٍ فكلُّ أجزاءِ ذلك الفعلِ واجبةٌ على أمَّتهِ، وإنما يُستفادُ وجوبُها من غير ذاتِ الفعلِ، وتبقى مشروعيَّةُ المتابعةِ للنَّبي - ﷺ - واجبةً في الواجبِ، ومندوبةً في المندوبِ.
[ ٢٢ ]
٢ـ (الفَرْضُ) هوَ (الواجبُ) عند جمهورِ الفُقهاءِ، فيقولونَ: (صومُ رمضانَ واجبٌ) كما يقولونَ: (فرضٌ)، ويقولونَ: (زكاةُ الفِطرِ فرضٌ) كما يقولونَ: (واجبةٌ) .
وخالفهم في ذلكَ الحنفيَّةُ - وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمد - ففرَّقوا بينَ (الفرضِ) و(الواجبِ) لا من جهَّة التَّعريفِ المتقدِّم، وإنما من جهةِ طريقِ ورودِ الدَّليل الدَّال على الوجوبِ أو الفرضيَّةِ، فكان عندهم ما وردَ الدَّليل الدَّالِّ على الوجوبِ أو الفرضيَّةِ، فكان عندهُم ما وردَ بدليلٍ قطعيِّ الورودِ كالقرآن والحديثِ المتواترِ فهو فرضٌ، وما وردَ بدليلٍ ظنِّيِّ الوُرودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ فهو واجبٌ، وعليه فـ (الواجبُ) أدنَى في الحتميَّةِ عندهُم من (الفرضِ) بهذهِ الحيثيَّةِ.
ومذهبُ الجمهورِ أصحُّ وأرجَحُ، لرُجحانِ وجوبِ العملِ بحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ، كما سيأتي بيانُهُ في الكلامِ على (دليلِ السُّنَّة) في أدلَّةِ الأحكامِ، لكن يُستفادُ من هذا مُراعاةُ طريقةِ الحنفيَّةِ عندَ النَّظرِ في كتُبِهِم في الفُروعِ.
٣ـ مسألةُ (ما لا يتِمُّ الوَاجبُ إلاَّ بهِ فهوَ واجِبٌ):
ما يتوقَّفُ عليه الإتيانُ بالواجبِ، وهوَ مقدِّمتُهُ الَّتي ينبنِي عليها تحصلُهُ، يرجعُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
[١] ما لا يدخُلُ تحتَ قُدرةِ العبدِ.
[ ٢٣ ]
مثلُ: زوالِ الشًّمسِ لوجوبِ صلاةِ الظُّهرِ، فهذهِ مقدِّمةٌ لا تَتِمُّ صلاةُ الظُّهرِ إلاَّ بها لكنَّها ليستْ تحتَ قُدرَةِ المُكلَّفِ.
فهذا القِسمُ لا يندرجُ تحتَ المسألةِ المذكورةِ.
[٢] ما يدخُلُ تحتَ قُدرةِ المكلَّفِ لكنَّهُ غيرُ مأمورٍ بتحصِيلِهِ.
مثلُ: بُلوغِ النِّصابِ لوجوبِ الزَّكاةِ، والاستطاعَةِ لوُجوبِ الحجِّ، فإنَّه تحتَ قُدرتِه أن يجمعَ النِّصابَ، وأن يكتسِب لِيُحقِّق الاستِطاعةَ للحجِّ، لكنَّ ذلكَ لا يجبُ عليهِ.
فهذا لا يدخلُ أيضًا تحتَ المسألةِ المذكورَةِ.
[٣] ما يدخُل أيضًا تحتَ قُدرَةِ المكلَّفِ وهو مأمورٌ بتحصِيلِهِ.
مثلُ: الطَّهارةِ للصَّلاَةِ، والسَّعيِ للجُمُعَةِ، فهذا يجبُ عليهِ الإتيانُ بهِ، وهو المقصودُ بالقاعدَةِ.
ومن هذا التقسيمِ يُلاحظُ أنَّ هذهِ المسألةِ ليستْ قاعدَةً لإثباتِ وُجوبِ ما لم يرِدْ بِوُجوبهِ دليلٌ، إنما هي مسألةٌ قُسِّمتْ عليهَا مقدِّماتُ الوَاجبِ، أمَّا أن يُقالَ: تثبُتُ بها واجباتٌ لا دليلَ عليها إلاَّ هذه الجُملةِ فهذا ما لا وجودَ لهُ على التَّحقيقِ، وسيأتِي في (قواعِدِ الاستنباطِ) في مبحثِ (إشارَةِ النَّصِّ) ما يُبيِّنُ أنَّ مقدِّماتِ الواجبِ واجبةٌ بنفسِ دليلِ ذلكَ الواجبِ.
٤ـ لم يرِدِ استعمالُ لفظِ (واجب) في نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ
[ ٢٤ ]
بمعناهُ الاصطلاحِيِّ، ولذا أخطأَ من استدلَّ بظاهرِ قولهِ - ﷺ -: «غُسلُ يومِ الجُمُعةِ واجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ» [متَّفقٌ عليه من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ] على فرضِ غُسلِ الجُمُعةِ بناءً على معنَى (الواجبِ) في الاصطلاحِ، وقدْ ثبتتْ الأدلَّةُ مفسِّرَةً لهذا الحُكمِ أنَّ الغُسْلَ يومَ الجُمُعةِ ليس بفرضٍ، إنَّما هو سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، فكان تأويلُ لفظةِ (واجبٍ) في هذا الحديثِ على ما ذكرهُ بعضُ أهلِ العلمِ: للتَّوكيدِ في النَّدْبِ، وهوَ بِمنزلَةِ قولِ الرَّجلِ: (حقُّكَ عليَّ واجبٌ) .
"أقسامه:
للواجبِ أقسامٌ باعتبارَاتٍ متعدِّدَةٍ، هي:
١ـ باعتبارِ وقتِ أدائهِ، قسمانِ:
[١] واجبٌ مُطلقٌ أو مُوسَّع، وهوَ ما طلبَ الشَّارِعُ فعلَهُ من غيرِ تقيِيدٍ لأدائِه بزَمَنٍ مُعيَّنٍ.
مثلُ: قضاء ما أفطرَهُ الإنسانُ بعُذرٍ من رمضانَ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فهي فُسحةٌ بعدَ رمضانَ في أيِّ وقتٍ شاءَ من عامِهِ، لا يلزمُهُ التَّعجيلُ ولا يأثَمُ بالتَّأخيرِ، وإن كانت المُسارعَةُ أبرأ للذِّمةِ خشيةَ أي يُحالَ بينهُ وبين القضاءِ، وكذا الصَّلواتُ الخمسُ فيما بينَ الوَقتينِ.
[٢] واجبٌ مقيَّدٌ أو مُضيَّقٌ، وهو ما طلبَ الشَّارعُ فعلَهُ مقيَّدًا
[ ٢٥ ]
بزمنٍ معيَّنٍ.
مثلُ: صومِ رمضانَ لمنْ شهِدَ الشَّهرَ ولا عُذْرَ لهُ بتأخيرِ الصَّومِ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
وهذا لا تبرأُ الذِّمةُ إلاَّ بأدائهِ في وقتِهِ المحدَّد.
٢ـ باعتبارِ تقديره وحدِّه، قسمانِ:
[١] واجبٌ مقدَّرٌ (محدَّد)، وهو ما عيَّن الشَّارِعُ له حدًّا محدُودًا، فيلزَمُ الوقوفَ عندَهُ.
مثلُ: أنصبَةِ الزَّكاةِ ومقدَارِ الواجبِ فيها.
وحكمُ هذا النَّوعِ أنهُ يلزمُ المكلَّفَ، ولا تبرأُ ذمَّتُهُ له حدًّا.
مثلُ: مقدارِ النَّفقةِ الواجبةِ على الزَّوجِ لزوجتِه، التَّعاوُن على البِرِّ والتَّقوى، الإحسانِ إلى النَّاسِ، فإنهُ ليس لهذهِ الواجباتِ تقديراتٌ شرعيَّةٌ، وإنَّما يعودُ تقديرُها إلى الظَّرفِ وإدراكِ المكلَّفِ، أو إلى العُرفِ أو قضاءِ القاضي كما في المسألةِ الأولى.
٣ـ باعتبارِ تعيينهِ بذاتِهِ أو عدم تعيينِهِ، قسمانِ:
[١] واجبٌ معيَّنٌ، وهو ما تحتَّم على المكلَّفِ أن يوقعَه بعينِه من
[ ٢٦ ]
غير أن يكون له فيه اختيارٌ آخر.
مثلُ: صيامِ شهرِ رمضانَ، فإنَّ المكلَّفَ ليس مخيَّرًا بين الصِّيامِ والفِطر، بلْ تعيَّنَ عليه الصِّيامُ وليس ثمَّةَ بديلٌ عنه ما كانتْ له قدرَةٌ عليه.
[٢] واجبٌ غيرُ معيَّن، وهو ما تحتَّم على المكلَّفِ أن يوقِعه، لكنْ باختيارِ موسَّعٍ بين أصنافٍ من الأفعالِ يتحقَّقُ الواجبُ بفعلِ أحدِهَا.
مثلُ: كفَّارةِ اليمينِ، فإنَّها واجبةٌ، لكنَّها تتحقَّقُ بواحدٍ من ثلاثةِ أشياءَ: إطعامُ عشرةِ مساكينَ، أو كِسوتُهُمْ، أو عتقُ رقبةٍ، أيَّ ذلكَ فعلتَ أسقطَ عنكَ الوجوبَ، فهوَ غيرُ معيَّنٍ في أحدِهَا.
٤ـ باعتبارِ المُطالبِ بهِ، قسمان:
[١] واجبٌ عينيٌّ، أو: (فرضُ عينٍ)، وهو ما توجَّه فيه الطَّلبُ الَّلازمُ إلى كلِّ مكلَّفٍ، فلا يُسقطُ قيامُ البعضِ به المؤاخذَةَ عن الباقينَ.
مثلُ: الصَّلواتِ الخمسِ، وحجِّ البيتِ، وصلةِ الأرحامِ.
[٢] واجبٌ كِفائِيٌّ، أو (فرضُ كِفايَةٍ)، وهو ما طلبَ الشَّارِعُ حصولَه من جماعةِ المكلَّفينَ، بِحيثُ لوْ قامَ بعضُهُم برِئتْ ذِمَّةُ سائرِهِمْ.
مثلُ: الجهادِ في سبيلِ اللهِ، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ، وتحصيلِ الأسبابِ لحفظِ الضَّروراتِ الخمسِ: الدِّينِ، والنَّفسِ،
[ ٢٧ ]
والمالِ، والعِرضِ، والعقلِ، كالتَّفرُّغِ للعُلومِ المتخصِّصَةِ في الشَّريعَةِ والحياةِ، وإدارةِ شؤونِ الحُكمِ والقضاءِ والسِّياسَةِ.
واجتمَاعُ النَّاسِ على التَّفريطِ بِهذا الواجبِ اجتِماعٌ على الإثمِ، ولا تبرأُ ذِمَمُهُمْ حتَّى يوجدَ فيهِمْ من يُحقِّقُ الكفايَةَ لسائِرِ المسلمينَ بتحصيلِ ذلكَ الواجِبِ.