* ويندرجُ تحتها نوعانِ:
١ـ القولُ الصَّريحُ، كقوله - ﷺ -: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» [متَّفقٌ عليه] .
٢ـ ما فيه معنى القولِ، كقول الصَّحابيِّ: (أمر رسول الله - ﷺ - بكذا) و(نهى رسولُ الله - ﷺ - عن كذا) فهذه صيغةٌ فيها معنى القول، لأنَّ الأمرَ والنَّهيَ إنَّما يقعانِ عادةً بالقولِ.
ومن هذا قولُ الصَّحابيِّ: (أُمرنَا بكذا) و(نُهينَا عن كذَا) على الأصحِّ، وهو مذهبُ الشَّافعيَّة وغيرهِم على أنَّ الآمرَ والنَّاهيَ رسول الله - ﷺ -، خلافًا للحنفيَّةِ.
وأمَّا قول الصَّحابيٍّ: (من السُّنَّةِ) فمحمولٌ على سُنَّةِ النَّبيِّ - ﷺ -، وقد يكونُ استُفيدَ من سُنَّةٍ قوليَّةٍ أو فعليَّةٍ، وهذا أيضًا على مذهبِ الجمهُورِ من الشَّافعيَّةِ وغيرهِم، خلافًا للحنفيَّة.
والأصلُ أنَّ الصَّادرَ عن رسول الله - ﷺ - من الأقوالِ تشريعٌ لأمَّتهِ، كما صحَّ عن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: كنتُ أكتُبُ كلَّ شيءٍ أسمعُهُ من رسول الله - ﷺ - أُريدُ حفظَهُ، فنهتْنِي قُريشٌ وقالوا: أتكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعُهُ ورسولُ الله - ﷺ - بشرٌ يتكلَّمُ في الغضبِ
[ ١٢٦ ]
والرِّضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابِ، فذكرتْ ذلكَ لِرسول الله - ﷺ -، فأوْمأَ بأُصبُعِهِ إلى فيهِ، فقال: «اكتُبْ فوالَّذي نفسيِ بِيدِهِ ما يخرُجُ منهُ إلاَّ حقٌّ» [أخرجهُ أبوداود وغيرُهُ] .
وقد يقولُ النَّبي - ﷺ - القولَ لا يُريدُ به التَّشريعَ، لكن لا طريقَ إلى ادِّعاء ذلك إلاَّبأن يقومَ دليلٌ صريحٌ يفيدُ أنَّ ذلكَ القولَ لم يُقصدْ به التَّشريعُ، ويقعُ مثالًا لهذا القصَّة المشهورةُ بقصَّة تأبيرِ النَّخلِ، فقد رواها عن النَّبي - ﷺ - جماعةٌ، وألفاظُ أحاديثهم تُفسِّرُ بعضهَا، وأكثرُها وُضوحًا روايةُ من كان مع رسول الله - ﷺ - في تلكَ القصَّة طلحَةَ بن عُبيدِالله ﵁، فإنه قال: مررتُ مع رسول الله - ﷺ - بقومٍ على رؤوسِ النَّخلِ، فقال: «ما يصنعُ هؤلاءِ؟» فقالوا: يُلقِّحونهُ، يجعلونَ الذَّكر في الأنثى فيلقحُ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أظنُّ يُغني ذلك شيئًا» قال: فأُخبرُوا بذلك فتركوهُ، فأُخبرَ رسول الله - ﷺ - بذلك فقال: «إن كانَ ينفعُهُم ذلكَ فليصنَعوهُ، فإنِّي إنَّما ظننتُ ظنًّا فلا تُؤاخذُوني بالظَّنِّ، ولكن إذا حدَّثْتُكمْ عن الله شيئًا فخذُوا به، فإنِّي لن أكذِب على الله عزَّوجلَّ» [أخرجه مسلمٌ وغيرُه] .
فهذه الرِّوايةُ من أحسنِ ما يُزيلُ الشُّبهَة بهذه القصَّة، وفيها أنَّ ما وقعَ منه - ﷺ - كان صريحًا في كونِهِ رأيَ نفسِهِ، فإنَّ إخبارَهُ عن أحكامِ الله تعالى لا يكونُ بصيغةِ الظَّنِّ.
[ ١٢٧ ]