* المقصودُ بها:
سكوتُ النَّبيِّ - ﷺ - وتركُهُ الإنكارَ على قولٍ أوفعلٍ وقعَ بحضْرتِهِ، أو في غيبتِهِ وبلغَه، أو تأكيدُهُ الرِّضا بإظهارِ الاستِبشَارِ بهِ أو استِحسَانِهِ.
ومن أمثلةِ ذلكَ:
١ـ حديثُ عائشة ﵂: أنَّها ذكرَ عندَهَا ما يقطعُ الصَّلاةَ، فقالوا: يقطَعُها الكَلبُ والحمارُ والمرأةُ، قالتْ: لقدْ جعلتُمونَا كِلابًا، لقدْ رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - يُصلِّي وإنِّي لبيْنَهُ وبينَ القِبلةِ وأنَا مُضطَجِعَةٌ على السَّريرِ، فتكونُ لي الحَاجَةُ فَأكرَهُ أن أسْتَقْبِلَهُ، فأنْسَلُّ انسِلاَلًا [متفقٌ عليه] .
٢ـ حديثُ أبي سعيدٍالخُدريِّ ﵁: أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أتَوْا على حيٍّ من أحياءِ العربِ، فلمْ يقرُوهُم، فبينمَا همْ كذلكَ إذْ لُدِغً سيِّدُ أولئكَ، فقالُوا: هلْ معَكُم من دواءٍ، أو راقٍ؟ فقالوا: إنَّكُم لم تقرُونَا، ولا نفعلُ حتَّى تجعلُوا لنَا جُعلًا، فجعلُوا لهُم قطيعًا من الشَّاءِ فقالوا: لا نأخُذُهُ حتَّى نسألَ النَّبيَّ - ﷺ -
[ ١٣٥ ]
فسألوهُ، فضحِكَ، وقالَ: «وما أدراكَ أنَّها رُقيةٌ، خذُوهَا واضْرِبُوا لي بِسهمٍ» [متفقٌ عليه] .
وممَّا يندجرُ تحتَ السُّنَّةِ التَّقريريَّة:
[١] أنْ يقعَ الفعلُ في زمانهِ - ﷺ -، ويكونَ مشهورًا لا يخفى مثلُهُ في العادَةِ أن يبلُغَ النَّبيَّ - ﷺ -.
مثلُ: قصَّةِ مُعاذِ بنِ جبلٍ ﵁ أنَّهُ كان يُصلِّي مع النَّبيِّ - ﷺ -، ثمَّ يرجعُ فيؤمُّ قومَهُ [متفقٌ عليه من حديث جابرِ بن عبد الله]، فهذا دليلٌ على جوازِ أن يؤمَّ المتنفِّلُ المفترضينَ، وأنَّه لا يضرُّ اختلافُ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ.
[٢] أنْ يقعَ الفعلُ في زمانهِ - ﷺ -، وليسَ مثلُهُ مظِنَّةَ الاشتِهارِ في العادَةِ، فلا يُدرى أعَلِمَ به النَّبي - ﷺ - أم لا، فهذا عندَ طائفَةٍ ليسَ بحُجَّةٍ، وذهبً بعضُ العلماءِ إلى أنَّهُ حجَّةٌ مالم يُعارضْ بنصٍّ أقوَى، لأنَّ الله تعالى مُطَّلعٌ، وجبريلُ ينزلُ على النَّبيِّ - ﷺ - بالشَّرائع.
والقولُ بحُجيَّتِهِ أصحُّ، وقد مضى الحالُ من أصحابِ النَّبي - ﷺ - في حياتهِ على إدراكِ هذه الحقيقةِ، فكانُوا يعلمونَ أنَّهُم لن يُقَرُّوا على باطلٍ ما دامَ القُرآن ينزلُ وإن كانَ ذلكَ مِمَّا لا يطَّلع عليهِ النَّبي - ﷺ - في العادَةِ، كما صحَّ عن عبد الله بن عُمرَ ﵄ قالَ: كُنَّا نتَّقِي كثيرًا من الكلامِ والانبِساطِ إلى نسائنَا على عهدِ رسول الله - ﷺ - مخافَةً
[ ١٣٦ ]
أن ينزلَ فينا القُرآن، فلمَّا مات رسول الله - ﷺ - تكلَّمنَا، [أخرجه البخاريُّ وابن ماجه وأحمدُ واللَّفظُ له] .
[٣] أن يكونَ الشَّيء مِمَّا جرى به عُرفُ النَّاسِ زمَنَ التَّشريعِ، ولمْ يأتِ من الشَّارعِ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، فهوَ تقريرٌ من الشَّارعِ لعدَمِ الحُكمِ.
مثالهُ: أنَّ النَّاسَ كانُوا يتَّخذون الخيلَ، ولم يأتِ أنَّهُم كانُوا يُخريجونَ عنها الزَّكلة، ولو كانُوا يفعلونَ لحُفظَ ذلكَ، فحيثُ لم يأتِ فيه شيءٌ دلَّ على أن لا شيءَ فيهِ.