"تعريفه:
لُغةً: مادَّتُهُ (كره) وهو أصلٌ يدلُّ على خلافِ الرِّضا والمحبَّةِ، فـ (المكروهُ) ضدُّ المحبوبِ.
واصطلاحًا: ما طلبَ الشَّارعُ من المكلَّفِ تركَهُ لا على وجهِ الحتْمِ والإلزامِ، ويثابُ تاركُه امتثالًا، ولا يعاقبُ فاعلُهُ.
وقد استُعملَ لفظُ (المكروهُ) في لسانِ الشَّرعِ بِهذا المعنى، وكذلك بمعناهُ اللُّغويِّ الَّذي هو ضدُّ المحبوبِ، فربَّما وُصفَ بهِ (الحرامُ)، كما في قوله تعالى بعد ذكرِ بعضِ المناهي في سورةِ الإسراءِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وجميعها محرَّمٌ، والمعنى فيه أنَّ تلكَ المحرَّماتِ غيرُ محبوبةٍ ولا مرضيَّةٍ، بلْ مُبغضةٌ
[ ٤٢ ]
مكروهَةٌ، لكن هذا الاستعمالُ لا يُشكلُ على المعنى الاصطلاحيِّ لـ (المكروه) على أنَّه نوعٌ من الأحكامِ التَّكليفيَّةِ غيرُ (الحرام) .
"صيغته:
تُعرفُ الكراهةُ في الأحكامِ الشَّرعيَّة باستعمالاتٍ تدلُّ عليها، ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
١ـ لفظِ (الكراهةِ) كما في حديث المغيرةِ بن شُعبةَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ الله حرَّم عليكُم عقوقَ الأمَّهاتِ، وأودَ البناتِ، ومنعَ وهاتِ، وكرِه لكُم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعَةَ المالِ» [متفقٌ عليه]، وفيه تفريقٌ بيِّنٌ بينَ (الحرامِ) و(المكروه) .
ومنها: حديثُ المهاجرِ بنِ قُنفُذٍ ﵁: أنَّهُ أتى النَّبيَّ - ﷺ - وهو يبُولُ، فسلَّمَ عليه فلم يرُدَّ عليهِ حتَّى توضَّأ، ثمَّ اعتذَرَ إليه فقال: «إنِّي كرهتُ أن أذْكُرالله عزَّوجلَّ إلاَّ طُهرٍ (أو قال: على طهارةٍ») [حديثٌ صحيحٌ رواه أبوداودَ وغيرُهُ]، مع ما ثبتَ عنه - ﷺ - أنَّه كانَ يذْكُرُ الله على كلِّ أحيانِهِ [رواه مسلمٌ عن عائشة] .
٢ـ صيغةِ النَّهيِ الَّتي قام بُرهانٌ على صرفهَا عن التَّحريمِ، كحديث عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبي - ﷺ - قال: «الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شرْطةِ مِحجَمٍ، أو شربَةِ عسلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا
[ ٤٣ ]
أنهى عن الكيِّ» [رواه البخاريُّ]، فهذا النَّهيُ للكراهَةِ لا للتَّحريمِ، وممَّا دلَّ عليه: حديثُ جابرِ بن عبد الله ﵄ قال: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقولُ: «إنْ كانَ في شيءٍ من أدويتِكُم خيرٌ ففي شربةِ عسلٍ، أو شرطَةِ مِحجمٍ، أولَذْعَةٍ من نارٍ، وما أحِبُّ أن أكتوِي» [متفقٌ عليه]، فهذا إذنٌ لهُم في التَّداوي بالثَّلاثِ المذكُورَاتِ، معَ كراهَةِ الكيِّ.
ومن ذلكَ حديثُ عبد الله بن عُمرَ ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى يومَ خيبرَ عن أكلِ الثُّومِ [رواه البخاريب]، وهذا النَّهيُ ليسَ للتَّحريمِ بأدلَّةٍ عديدةٍ منها:
حديثُ أبي أيُّوبَ الأنصارِيِّ ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أُتي بِطعامٍ أكل منهُ وبعثَ بفضْلِه إليَّ، وإنَّه بعثَ إليَّ يومًا بفضْلةٍ لم يأكلُ منها؛ لأنَّ فيها ثومًا، فسألتُه: أحرَامٌ هُوَ؟ قال: «لاَ، ولكنِّي أكرَهُهُ من أجلِ ريحِهِ» قال فإنِّي أكرهُ ما كرِهتَ، وفي روايةٍ: وكانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُؤتَى [رواه مسلم]، والمقصودُ أنَّه كان يأتيهِ الملكُ.
٣ـ التُّروكِ النَّبويَّة الَّتي قُصدَ بها التَّشريعُ لا الَّتي جرتْ بمقتضى الطَّبع البشرِيِّ، وهذا يُقابلُ ما يفيدُه الفعلُ النَّبويُّ من الاستحبابِ، فكذلك يُفيدُ التَّركُ الكراهةَ.
ومن أمثلة ما كانَ النَّبيُّ - ﷺ - تركَهُ عمدًا بقصدِ التَّشريعِ لا بمقتضى
[ ٤٤ ]
طبعهِ: تركُهُ مُصافحة النِّساءِ في البيعةِ، قالتْ عائشةُ ﵂: ما مسَّت يدُ رسول الله - ﷺ - يدَ امرَأةٍ قطُّ، غيرَ أنَّه بايعهُنَّ بالكلامِ [متفقٌ عليه]، وقال: - ﷺ - في حديثِ أُميمةَ بنتِ رُقيقَةَ: «إنِّي لا أُصافحُ النِّساءَ، إنما قولي لمئةِ امرأةٍ كقولي لامرأةٍ واحدَةٍ» [حديثٌ صحيحٌ، رواه مالكٌ وغيرُهُ]، فهذا تركٌ مقصودٌ للمصافحة، مع أنَّها كانتْ من سُنَّة البيعةِ، وما كان ليدَعَ مستحبًّا، ولا مباحًا يستوي فيه الفعلُ والتَّركُ والمرأةُ تمدُّ إليهِ يدَهَا وهوَ يكفُّ يدَهُ كما جاءَ في بعضِ رِواياتِ هذه القصَّةِ، والتَّركُ المجرَّدُ لا يرقى بنفسهِ إلى أن يكونَ المتروكُ حرامًا، إلاَّ أن يدلَّ على التَّحريمِ دلبيلٌ مستقلٌّ غيرُ التَّركِ، ولم يأتِ في هذه المسألةِ ما يدلُّ على تحريمِ مجرَّدِ المصافحةِ للنِّساءِ إلاَّ أن تكونَ بشهوةٍ، فقد صحَّ عنه - ﷺ - قوله: «وزِنَا اليدِ اللَّمسُ»، والزِّنا لا يقعُ بغير شهوةٍ، والمصافحةُ تقعُ بشهوةٍ وبغيرِ شهوةٍ، فمجرَّدها مكروهٌ، وبالشَّهوةِ حرامٌ.
"مسائل:
١ـ لفظ (الكراهةِ) في استعمالِ العلماءِ جارٍ على معنى الكراهةِ المذكورِ ههنا، سِوى الحنفيَّة فإنَّهُم يقولونَ: كراهةُ تحريمٍ، وكراهَةُ تنزيهٍ، والنَّوعُ الأوَّلُ في تقسيمِهِم هذا من قِسمِ (الحرامِ) كما تقدَّمَ التَّنبيهُ عليهِ، والثَّاني من قسمِ (المكروه) الاصطلاحيِّ.
[ ٤٥ ]
٢ـ ويقعُ في كلامِ الشَّافعيِّ وأحمدَ وبعضِ أهلِ الحديثِ استعمالُ لفظِ (الكراهة) بمعنى التَّحريم وبمعنى الكراهةِ الاصطلاحيّضةِ، فلاحِظْ ذلكَ.
٣ـ يُلاحظُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - إذا نهى عن شيءٍ، وثبتَ أنَّه فعلهُ، فإنَّ فعلهُ يدلُّ على الجوازِ، ولا يُقال: صُرفَ النَّهي عن التَّحريمِ إلى الكراهةِ، فإنَّه - ﷺ - لا يفعلُ المكروهَ.