كان علامتنا الأمير ﵀ - كما تصفه كتب الترجمات - رقيق القلب، لطيف المزاج، ينزعج طبعه من غير انزعاج، يكاد الوهم يؤلمه، وسماع المنافر يوهنه ويسقمه (٢)، وكل هذا وصْفٌ يدل على نبْلٍ في الطبع وصفاء في الروح.
وهو على إمامته في علوم العربية والأصلين، بل وعلوم الشريعة عمومًا .. كان أميرَ قلم أدبي بَليل، ونفْس رقيقة شفافة، وصاحب لُطف وظَرْف ممزوج بالتواضع والأدب.
_________________
(١) مطلع النيرين (ص ٥)، وانظر ترجمة المؤلف لشيخه العدوي في كتابنا هذا (ص ١٢٢).
(٢) عجائب الآثار (٧/ ٤٢٢).
[ ٢٣ ]
ولعل مسلكه التربوي الأخلاقي كان من أهم العوامل لتكوين هذه الشخصية العلمية الأدبية الفذَّة.
فقبل أن يجري عليه القلم طابت أنفاسه بصحبة أهل العرفان، وزكت نفسه بزكي نفوسهم، فما زال يتقلب في روضاتهم، ويحظى بأريج ورودهم وأورادهم.
يحدثنا ﵀ عن ذلك فيقول: (أول من أخذ علي العهد في ذلك - أي: تلقين الذكر - ولقنني: الأستاذ الحفني، بمقتضى أخذه في طريقة الخلوتية، عن السيد مصطفى ابن كمال الدين البكري الشامي صاحب " ورد السحر " وغيره، وذلك قبل بلوغي، ثم تلقنت من جماعة كثيرة، منهم شيخنا العدوي على طريق الشناوية أواخر عمره، ومنهم شيخنا الشهاب الجوهري في الطريقة الشاذلية، وأجازني أن أجيز بها، قال:
ونرويها من طرق، منها طريق القطب مولاي عبد الله الشريف المسلسلة بالأقطاب (١).
ثم سرد أسانيده للسادة الوفائية الشاذلية، والعيدروسية، والنقشبندية، بل - كما قال - وجميع طرق السادة الصوفية (٢).
وقد قال عند ختم " ثبته " بكتب القوم: (وإنما أخرناها لأنها الزبدة والمنتهى، فإن الشريعة علم الشرع، والعلوم الآلية وسائلُ لفهمه،
_________________
(١) سد الأرب (ص ٢٦٣)، وكلٌّ من شيخه المحدث السقاط والعلامة التاودي ابن سودة من رؤوس الشاذلية.
(٢) سد الأرب (ص ٢٦٥).
[ ٢٤ ]
والطريقة العمل به، والحقيقة أسرار وأنوار يثمرها العمل، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (١).
ليختم حديثه عن القوم بقوله: (والمدعون اليوم أفسدوا الأوضاع، واقتصروا على الصور الظاهرية، واعلم بأن طريق القوم دارسة، وحال من يدعيها اليوم كيف ترى (٢).