لقد عُني كل من الماتن والشارح رحمهما الله تعالى بما سماه العلامة الأمير في الورقة الأخيرة من إجازةٍ أثبتها في نهاية صورةٍ لـ " ثبته " وهو يشرط فيها بـ (مراعاة قانون التفهم والإفهام).
فالفهم والتفهُّم، والإفهام والتفهيم هي الباعث والغاية في كلٍّ من المتن والشرح.
والمراد بالفهم: ما يخصُّ المرء من علْم المسائل التي يبحث فيها، والتفهُّم: فهْمُ المعلوم شيئًا فشيئًا.
والمراد بالإفهام: توصيل المعلوم للغير، والتفهيم: إيصالُ ذاك المعلوم شيئًا فشيئًا.
والكتاب إنما هو بيان لما يجب على المتفهِّم والمفهِّم أن يعلمه في حل العبارات وطرق فهمها، عمومًا دون تخصيص فن دون فن.
وموضوع الفهم والإفهام ذو شأن وخطر، فكم زلت الأقدام، وتشعبت الأنام، وتقطعت الأرحام، لتعدد الأفهام!!
ترى هذا جليًا فيمن يَمْتَسِكُ بأصل واحد وهم بعد ذلك طرائقُ قددًا، فإن تأمَّلت .. رأيت أن الأمر عائد أصالة لطبيعة فهم هذا الأصل وإفهامه.
[ ٣٣ ]
وعليه: يمكننا القول: إن للغة ومدلولاتها أثرًا عظيمًا في تفرُّق الفرق النصيَّة وتحزُّب أحزابها، وليس العيب فيها.
بل أي ظلْم نحمِّله اللغةَ إن قلنا بذلك؟! وإنما الداهية في سوء فهم مرادات القائل في هذه السياقات اللغوية.
هذا بشأن النص المقدَّس الذي لا تعتوره الزلات، أما بشأن النص غير المقدس، وهو كل ما سوى الكتاب والسنة الثابتة .. فقد يكون الخطأ حقيقة من ساطر العبارة نفسِهِ، وهذا أمر يعالجه كتابنا " ثمر الثُّمام " حين ينصُّ المصنف على رد الكلام الذي لا يستقيم بعد كل محاولات الفهم.
إننا نرى كتاب ربنا ﷾ يدعونا للتأمُّل والتدبر والتفكُّر، ويأمر بمنح الفرصة للمعاند الجاحد أن يستمع بروية وتفهُّم في جوٍّ يسوده الأمْن والطمأنينة.
فاتخاذ القرارات العاجلة ورد الأقوال على أصحابها خديعة تمليها النفس المتعجرفة المتكبرة التي لا ترى صالحًا سواها.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
فلا حجة بعد تفصيل القول وبيانه، فإن هذا مدعاة لفهمه والتصديق
[ ٣٤ ]
به، ولكن لا بد من تحرير المشكلة، فهُمْ في البداية قومٌ يعلمون، وفي النهاية تفصيلُ القول لقوم يعلمون.
ونجد النبي ﷺ يحرص كل الحرص على دقة العبارة وتحري ذلك عند نقلها، إذ يقول: «من يَقُلْ عليَّ ما لم أقلْ .. فليتبوَّأْ مقعده من النار» (١).
لنرى بعد ذلك التنوُّع في تقسيم حديثه ﷺ مراعاةً لهذه الناحية، واقترابًا من العبارة اليقينية التي نطق بها سيد الوجود ﵊.
وها هو ذا سيدنا الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه يحضُّ على مسألة الفهم وبتأكيد كبير، إذ يقول لسيدنا أبي موسى الأشعري ﵁:
(الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرَّف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها فيما ترى) (٢).
ولنصْغِ إلى الأديبِ البحرِ عمرو بن بحر الجاحظ وهو يحدِّث عن مسألة الفهم والإفهام إذ يقول: (وقال الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، لأن مدار الأمر على البيان والتبيُّن، وعلى الإفهام والتفهُّم، وكلما كان اللسان أبين .. كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة .. كان أحمد.
_________________
(١) البخاري (١٠٩).
(٢) رواه البيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ١١٥).
[ ٣٥ ]
والمفهم لك والمتفهِّم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهِمَ أفضل من المتفهِّم، وكذلك المعلم والمتعلم) (١).
من هنا نرى العلامة الطحلاوي ﵀ يستعين الله ويستخيره لوضع رسالة في الفهم والإفهام.
ويأذن الله تعالى بأن يطلع العلامة الأمير ﵀ على هذا التأليف الوجيز، فيقترح تسميته بـ " غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام ".
ثم يدفع الطحلاوي للأمير بهذه الرسالة، ليقوم بشرحها وبيان ما يشكل منها، فيُنْفِذُ الأمير هذه الرغبة الصادقة لمؤلفها، ويشرحها بـ " ثمر الثُمام ".
والثُّمام: نبت ضعيف قصير لا يطول، ولذلك كان وثمرَهُ سهل المتناول، حتى قالوا في الشيء لا يستصعب الوصول إليه: هو على طرف الثُّمام.
وكأن العلامة الأمير ﵀ أراد بهذا الاسم بيان قرْبِ الفوائد التي رصفها في كتابه هذا من طالبها، لا يعسر عليه فهمها، وكذلك يومىء الاسم لتواضعه رحمه الله تعالى.
_________________
(١) البيان والتبيين (١/ ١١).
[ ٣٦ ]