مثال لذلك:
قال الله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
فلفظتا: "الهزُّ"، و"الأزُّ" بينهما فارق، فإحداهما تبدأ ب "الهاء"، والثانية تبدأ ب"الهمزة"، والهاء حرف رخو، والهمزة حرف شدة،
_________________
(١) مستفاد من كتاب أصول الفهم للشيخ مصطفى سلامة.
[ ١ / ١٨٩ ]
وعليه لابد وأن تكون معنى "أز" أقوى في المعنى من "هز".
وبرهان هذا:
أولًا: معنى "تؤزهم" أي تهيجهم على المعاصي، "أزًّا" أى تهييجًا شديدًا، وعليه فالأزُّ قول يسوق إلى فعل، وهو المعاصي.
ثانيًا: معنى "هُزِّي" أي حركى أصل النخلة تحريكًا عنيفًا إلى جهتك، وعليه "فالهز" فعل يسوق الى فعل، تساقط أى تسقط النخلة عليك رطبًا بحسب الهز.
ثالثا: وحيث إن القول أقوى من الفعل تبين أن "الأز" أقوى من "الهز".
مثال آخر:
لفظتا "السبيل"، و"الطريق":
أولًا: ينبغي أن يعرف أن تعريف إحداهما بالأخرى من باب التقريب لا التحقيق.
ثانيًا: السر فى ذلك أن حرف السين غير حرف الطاء، فحرف السين مهموس بمعنى: أن الهواء يجري به، وهو حرف رخو أي أن الصوت يمتد، وهذا يعني أن الصوت مستمر، وهذا يدل على عدم الانقطاع، إذًا فالسبيل فيه سهولة وخيرية لا تنقطع؛ لذلك يقال سبل السلام.
[ ١ / ١٩٠ ]
ولكن حرف الطاء حرف قوي، وعليه فالطريق فيه شدة وعسر، ولا يأتى في سياق الخير إلا بوصف أو إضافة غالبًا، ومع الخيرية لا تتخلف عنه الشدة؛ لذلك يقال الطريق المستقيم، وهذا يتناسب مع الصراط المستقيم لما في الصاد والطاء من الشدة لذلك على جانبيه أهوال تريد أن تختطف المار.
مثال آخر:
لفظتا "سكب"، و"صبَّ":
فهناك فارق في القوة بين حرف السين والصاد:
فحرف السين سبق بيانه، وحرف الصاد حرف قوي.
وعليه فالصب أقوى من السكب.
فالصب يعنى اندفاع الماء بقوة لذلك قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥ - ٢٦].
ومن لوازمه أن صب الماء يكون من أعلى إلى أسفل كما في الآية السابقة.
ولكن السكب هو جريان الماء على الأرض لذلك يقول تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أى جار على وجه الأرض من غير
[ ١ / ١٩١ ]
حفر.
مثال آخر:
لفظتا "لا"، و"لن":
"لا" حرف نفى، و"لن" حرف نفي فما الفارق بينهما؟
"لا" ختمت بالألف وهذا يدل على طول النفي ودوامه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فهنا نفى فعل الإدراك ب "لا"، فإنه سبحانه لا يُدرَك أبدًا.
تنبيه: الآية هنا تنفي الإدراك وهو الإحاطة، ولا تنفي الرؤية.
أما "لن" ختمت بالنون الساكنة، وهذا لا يدل على طول النفي، ولا على دوامه، فالنفي ب"لن" يكون لما هو ممكن الحدوث عند المخاطب، ولهذا شواهد كثيرة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢].
فقولهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة: ٢٤] هنا نفى دخولهم ب" لن" إذ من الممكن أن يدخلوا والذي يدلك على ذلك أمران:
الأول: قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ
[ ١ / ١٩٢ ]
عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
الثاني: قال تعالى بعدها: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ﴾ [المائدة: ٢٤]، وحتى مع إضافة أبدا إلى السياق، فهي لا تفيد التأبيد المطلق، بل تفيد التأبيد المؤقت.
وتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥].
فهنا نفى التمني ب "لن"، وب "أبدًا"، وهذا مؤقت بحال الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
إذًا يتبين مما سبق أن قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لا علاقة لها بالآخرة بأي وجه من الوجوه، ولو فرض أن الآية " لن تراني أبدًا " لكان المراد حال الدنيا لا الآخرة، وبهذا يبطل كلام الزمخشري بأن "لن" تفيد التأبيد.
[ ١ / ١٩٣ ]