ومعناه: أن العلوم الشرعية يؤثر بعضها فى بعض من جهة تقرير المسائل والدلائل، وينبغى التنبيه هنا إلى أن التأثر الواقع بين العلوم
[ ١ / ١٤١ ]
مختلف، فبعضه محمود وبعضه مذموم، وبعضه كثير وبعضه قليل.
• فعلاقة علم أصول الفقه بغيره من العلوم نستطيع أن نحددها من خلال هذه الأنماط:
• الأول: التداخل الاستمدادي:
وقد سبق بيانه في مبدأ الاستمداد في المبادئ العشرة.
• الثانى: التداخل التحصيلي:
فعلم أصول الفقه من علوم الآلات التى يُحتاج إليها في سائر العلوم لأنه علم يضبط لك أصول الفهم والاستنباط والاستدلال، وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
• الثالث: التداخل الموضوعى:
وذلك: مثل كثير من المسائل المشتركة بين علوم اللغة، وعلم أصول الفقه، كمبحث دلالات الألفاظ، كالأمر والنهى، والعام والخاص والاستثناء، وغيره، وإن كان لعلم أصول الفقه اختصاص زائد في هذه المباحث من جهة دلالاتها على الأحكام ليس لأهل اللغة، وقد وضح ذلك الإمامان الطوفى وتقى الدين السبكى وقد سبق بيان ذلك (^١)، ولا مانع من إعادة ذكر بعضه هنا.
_________________
(١) فى الرد على شبهة أن علم الأصول ليس علمًا مستقلًّا.
[ ١ / ١٤٢ ]
ومن ذلك قول الطوفي: الكلام يشتمل على لفظ ومعنى، فحظ اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له كقوله: العموم: الشمول، والعام: الشامل، والتخصيص: تمييز شيء عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من الحركات اللاحقة لآخره إعرابًا أو بناءًا، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه.
أما كون العام بعد تخصيصه حجة أو ليس بحجة، أو حقيقة أو مجازًا، فهذا ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع علمه المعنى، وإنما ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول (^١).
ويقول تقي الدين السبكي: إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًّا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، و(لا تفعل) على التحريم، وكون (كل وأخواتها) للعموم، وما أشبه ذلك مما ذُكِر
_________________
(١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٥٣٣).
[ ١ / ١٤٣ ]
أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاءًا في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التى تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه (^١).
وكذلك في علم التفسير نجد مسائل يتناولها المفسرون بالبيان لأهميتها فى التفسير، مثل مباحث النسخ، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وإن كانت هذه المباحث تناولها الأصوليون بزيادة تأصيل وضبط ليس عند المفسرين (^٢).
يقول أبو حيان: وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلًا، ووقوعه شرعًا، وبماذا ينسخ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك
_________________
(١) الإبهاج شرح المنهاج للسبكي بتصرف يسير (١/ ٧).
(٢) من الدراسات الجيدة في هذا الباب كتاب: المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير. د/ فهد الوهبي.
[ ١ / ١٤٤ ]
الأحكام، وطوَّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه.
وهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يُرجَع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مُسَلَّمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير (^١).
وكذلك فى علم الحديث هناك قدر من هذه المسائل، وذلك كالكلام عن السنة باعتبارها مصدرًا ودليلًا من مصادر الأحكام، وكذلك في تقسيم الأخبار الى متواتر وآحاد، ومباحث القطعى والظنى، وأي هذه الأخبار حجة.
وكذلك فى علم العقيدة نجد قدرًا من المباحث العقدية والكلامية تُبحَث في علم الأصول (^٢) مع أجنبية هذه المسائل عن علم أصول الفقه، مثل مسألة التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة والمجاز، وهل للأمر صيغة أم لا؟
_________________
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥١١).
(٢) من الكتب التى عنيت بذكر هذه المسائل كتاب المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين د. محمد العروسي عبد القادر.
[ ١ / ١٤٥ ]
وهذا القدر من الاشتراك راجع إلى أن كثيرًا ممَّن كتب في الأصول قديمًا من المعتزلة والأشاعرة، فجعلوا كتب الأصول سجالًا عقديًّا فيما بينهم، وتقرير مثل هذه المعتقدات في كتب الأصول يدل على أهمية هذا العلم، فإن تقررت هذه الأصول العقدية كانت حاكمة بعد ذلك على كل الأصول والفروع؛ لذلك نجد كثيرًا من القواعد الأصولية قررت تفريعًا على هذه المباحث العقدية.
• أما النمط الرابع فهو التداخل التأثيري:
والمراد هنا تأثير علم أصول الفقه في غيره من العلوم: