إنه مع جلالة هذا العلم وشرفه وعظيم خطره، قد أثيرت حوله شبهات قعدت بالهمم عن سلوك دربه، وتحصيل مسائله وطلبه، فأدى ذلك إلى إهمال هذا العلم، والعزوف عنه عند البعض؛ مما أدى إلى فشو التقليد والجمود، وانتشار التعصب للمذاهب وأقوال الرجال، ففشى الجهل وادعاء العلم، وقعدت الهمم والعقول عن الاجتهاد في النصوص.
والسبب في ذلك ما أشرنا إليه من إثارة بعض الشبه حول هذا العلم؛ لذا كان لزامًا أن نبدأ بها لإزالة هذه الشبه قبل تناول مباحث هذا العلم وتأصيله وبيانه، فإنه لا بد من التخلية قبل التحلية.
[ ١ / ١٩ ]
• الشبهة الأولى: قيل هو ليس علمًا، بل هو نُبَذٌ جُمِعَت من علوم متفرقة.
فقالوا: إنَّ بعضه مأخوذ من اللغة، كالكلام عن الأمر والنهي والعام والخاص وغيرها، وبعضه مأخوذ من النحو، كالكلام عن حروف المعاني، والاستثناء، وغيرها، وبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه، كالكلام عن مباحث النسخ والمحكم والمتشابه، وبعضه مأخوذ من علم الحديث، كالكلام عن التواتر والآحاد وحجية كل منهما، وغير ذلك من المباحث.
فمن أراد أن يتعلم تلك المباحث؛ فليتعلمها من تلك العلوم دون الرجوع إلى علم أصول الفقه.
وبهذا لو جرد علم الأصول من هذا، لصار ما انفرد به أصول الفقه شيئًا يسيرًا جدًّا لا فائدة فيه.
والجواب عن ذلك:
أنه لا يُنْكر أنَّ علم الأصول قد استمد بعض مباحثه من تلك العلوم التي ذكرتموها، ولكن اهتم الأصوليون بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن دراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة، فقد دقق الأصوليون في فهم أشياء لم يصل إليها المتخصصون بتلك العلوم.
فمثلًا: توصل الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم يصل
[ ١ / ٢٠ ]
إليها النحاة ولا اللغويون، فالنظر في كلام العرب متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي المتعمق.
فلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستثناء لم يتوصل إليها النحاة في كتبهم.
وكذلك عني الأصوليون بدلالات لم يعتن بها النحاة واللغويون كدلالة صيغة الأمر (افعل) على الوجوب، ودلالة صيغة النهي (لا تفعل) على التحريم، وكون (كل) تفيد العموم، ونحو ذلك لا تجده في كتب اللغة والنحو.
فهم يبحثون في هذه المباحث التي أخذت من هذه العلوم بحثًا خاصًّا، من جهة الدلالة الموصلة إلى الأحكام الشرعية.
ولذلك يقول الطوفي: الكلام يشتمل على لفظ ومعنى، فحظ اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له كقوله: العموم: الشمول، والعام: الشامل والتخصيص: تمييز شئ عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من الحركات اللاحقة لآخره إعرابًا أو بناءًا، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه.
[ ١ / ٢١ ]
أما كون العام بعد تخصيصه حجة أو ليس بحجة، حقيقة أو مجازًا، فهذا ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع علمه المعنى، وإنما ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول (^١).
ويقول تقي الدين السبكي: إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، و(لا تفعل) على التحريم، وكون (كل وأخواتها) للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التى تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه (^٢).
_________________
(١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٥٣٣).
(٢) الإبهاج شرح المنهاج (١/ ٧).
[ ١ / ٢٢ ]
فنظرة الأصولي إلى تلك المباحث تختلف عن نظرة المتخصصين بها.
والعلوم تختلف جهات بحثها للموضوعات المشتركة بينها، فالموضوع الواحد قد تشترك عدد من العلوم في بحثه، ولكن كل علم يبحثه من جهة مناسبة لطبيعته، والخلط بين تلك الجهات يؤدي إلى أغلاط متعددة في الاستدلال والفهم، وبعض الموضوعات يكون اختصاصها ببعض العلوم أكثر من غيرها، وتكون تلك العلوم هي الأصل فيها من جهة توسع البحث والدخول في التفاصيل المتعلقة بها (^١).
فهذا التداخل الموضوعي وهو أن ثمة موضوعات تُبحَث في عدد من العلوم الشرعية لكونها متعلقة بها جميعًا هو نمط من أنماط تأثر العلوم الشرعية وعلاقتها ببعضها البعض، وهذا لا يُنكَر عند من عَمَّقَ النظر في علوم الشريعة.
وبهذا لا يمكن تعلم مباحث الأصول إلا بالرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه.
_________________
(١) قانون التأسيس العقدي د/ سلطان بن عبد الرحمن العميري: (٦٣).
[ ١ / ٢٣ ]
• الشبهة الثانية: قيل هذا العلم لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وجواب هذا: أنَّ هذا نتج من عدم المعرفة بحقيقة هذا العلم وثمرته، وقد قيل: من جهل شيئًا عاداه، فهذا العلم هو من أهم شروط الاجتهاد، بل لا يتوصل إلى درجة الاجتهاد إلا به، ولا يمكن للفقيه استنباط حكم شرعي من دليل إلا به.
بل لو جهل مسألة -كالقياس مثلًا- من مسائله لا يعد فقيهًا عند البعض.
قال الشافعي: من لم يعرف القياس فليس بفقيه.
وقال أحمد: لا يستغني أحد عن القياس (^١).
فإن قيل: إنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد، فلا يمكن لأحد أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا بالرسوخ فيه، فكيف يستقيم ذلك وهو علم مبتدع محدث، فلقد كان الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار المجتهدين، ولم يكن هذا العلم موجودًا حتى جاء الشافعي وصنف فيه وسماه بهذا الاسم.
_________________
(١) الفيه والمتفقه للخطيب (١/ ٥٠٠).
[ ١ / ٢٤ ]
والجواب عن هذا: أن الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار التابعين كانوا أعلم الخلق بالعلوم، وكانوا أفهم الخلق بدلالات الألفاظ ومقاصد الشريعة متتبعين لها، محيطين بها، وكانوا متمرسين على ذلك.
فأكسبتهم تلك الممارسة قوة يفهمون بها مراد الشارع، وما يصلح وما لا يصلح من الأدلة.
عرفوا ذلك جزءًا منه سليقة وبلغة العرب، وجزءًا أخذوه عن رسول الله ﷺ، فعلم أصول الفقه كان موجودًا في زمن النبوة، وفي عصر الصحابة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ثم انتقل من الصحابة إلى التابعين، ولكن لما اتسعت الرقعة الإسلامية وفتحت البلاد فسدت الألسن، وتغيرت الفهوم، وكثرت الحوادث التي تحتاج إلى المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية لتلك الحوادث، مستندة إلى الدليل من الكتاب والسنة؛ فوضع الإمام الشافعي قواعد لذلك، وجمعها في علم مستقل سمي "علم أصول الفقه"، كما جُمِعَت قواعد علم النحو لنفس السبب.
[ ١ / ٢٥ ]
• الشبهة الثالثة: قيل هذا العلم لا يتعلم لقصد صحيح، بل يتعلم للرياء والسمعة.
الجواب عن ذلك: إنَّ هذا غير صحيح جملة وتفصيلًا، فالقصد من تعلم علم أصول الفقه معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، أما إذا فسدت نية صاحبه فتعلمه للرياء والسمعة، فهذا وارد على كل العلوم ولا يختص بأصول الفقه، وكل شخص سيحاسب عن قصده في تعلم أي علم من العلوم قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١).
• الشبهة الرابعة: قيل هذا العلم يتعلم للجدال والمناظرة، لا لقصد صحيح ونحن نُهينا عن كثرة الجدال.
والجواب عن ذلك: أنَّ الجدال الموجود في أصول الفقه وسيلة إلى الحق، وإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب، بل الجدال بالحق للحق من شأن رسل الله تعالى وأنبيائه.
بل ذكر الله تعالى في كتابه أنه أقام سبحانه الحجج، وعامل عباده بالمناظرة، فقال سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
_________________
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال الله لملائكته: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، وذلك لما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وجادلت الأنبياء أممها وحاجَّتها، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فالجدال في نفسه لا يُذم ولا يُمدح، ولربما المدح والذم حسب الاستعمال، فمن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر الله به فهو ممدوح، ومن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل فهو مذموم.
والجدال الذي جاء به أصول الفقه يستعمل للوصول به إلى الحق الذي أمر الله به، فيكون على هذا ممدوحًا. (^١).
_________________
(١) المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم النملة بتصرف (١/ ٤٥ - ٥١).
[ ١ / ٢٧ ]
• الشبهة الخامسة: قيل إنه علم قائم على المنطق وعلم الكلام، وهي علوم مذمومة:
وجوابه: أن دخول علم الكلام والمنطق على علم الأصول متأخر عن نشأة العلم، بل هو أجنبى عنه، وعلم الأصول عارٍ عنه، وجدير بالذكر أن دخول علم الكلام على علم أصول الفقه كان في القرن الرابع أو الخامس تقريبًا مع كتابة المعتزلة في علم الأصول، كالقاضى عبد الجبار في العمد، والقاضي أبو الحسين في المعتمد، وكذلك الأشاعرة كما فعل الباقلاني في التقريب والإرشاد؛ حيث كانت كتب الأصول سجالًا عقديًّا بين الفريقين.
وأما علم المنطق فأول من أدخله على علم الأصول الغزالى في المستصفى، فقدم بمقدمة منطقية، وتبعه في ذلك ابن قدامة فى روضة الناظر، وفي بعض النسخ الخطية أزالها؛ قيل أنه لما عوتب في ذلك.
لكن إذا نظرتَ الى كتاب الرسالة للإمام الشافعى، وهو أول ما دُوِّن في هذا العلم تجده خال تمامًا من هذه المباحث الكلامية والمنطقية؛ إذ لا علاقة لها بعلم الأصول.
وقد كان الأئمة من التابعين قبل الشافعي ومِن قبلهم صحابة النبي ﷺ يمارسون هذا العلم تطبيقًا، وما يدرون ما المنطق ولا علم الكلام والفلسفة، ومع ذلك كانوا أفهم وأعلم الناس على الإطلاق، بل مَنْ
[ ١ / ٢٨ ]
بعدهم عالة على فقههم وعلمهم.
ونحن نسلم بذم هذه العلوم، وأنها أجنبية عن علوم الشريعة، بل أفسدت في علوم الشريعة.
لكن هل معنى دخول هذه العلوم على علم أصيل من علوم الشريعة كعلم أصول الفقه أن نهجر هذا العلم على أهميته، أم أن الواجب علينا أن ننقي علومنا مما أُدخِل عليها، ونردها إلى أصلها ونبعها الصافي.
وخاصة أن هذه العلوم - الفلسفة والمنطق وعلم الكلام - دخلت في كثير من علوم الشريعة في نفس الوقت الذي أُدْخِلت في علم الأصول، فدخلت في علم التفسير، فكثيرًا ممن كتب في التفسير في تلك الآونة وكان أشعري العقيدة أو معتزليًّا أدخل عقيدة الأشعرية والمعتزلة في التفسير.
وكذلك في علم العقيدة كثر في ذاك الزمن القول بقول الأشاعرة، بل أصبح علم العقيدة يسمى علم الكلام.
ومع ذلك لم يقل أحد يجب ترك علم التفسير وهجره، أو علم العقيدة من أجل دخول هذه العلوم فيهما في زمن ما، بل أصبح الواجب تنقية هذه العلوم حتمًا من هذه العلوم المبتدعة المذمومة.
[ ١ / ٢٩ ]
فنقول: وكذلك علم الأصول إذًا يجب تنقيته من هذه العلوم، لا هجره وتركه بحجة دخول هذه العلوم فيه في بعض الأزمان.
وإلا كيف يهمل علم وظيفته بيان مراد الله تعالى ورسوله ﷺ، بل وربط الأحكام الشرعية بالواقع وملاءمة العرف بضوابط الشريعة، وكذلك ربط الحاضر بالماضي، وربط المستجدات والمحدثات بالمسائل القديمة والأحكام المقررة في الشريعة.
بل في رأيي - والله أعلم -: أن هذه الحملة على هذا العلم، ومحاولة إقصائه عن العمل وتأدية دوره؛ لأنه هو العلم الوحيد الذي يستطيع إثبات أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، وكل ما يستجد يُستطاع بفضل الله تعالى إيجاد حكمه المبني على الأدلة، والأسس السليمة المنضبطة الموافقة للنصوص، والمرتبطة بالقواعد الثابتة المقررة والملائمة للواقع الجديد مهما كان تغيره، والله أعلم.
فهذه جملة من الشُبه قعدت بأصحابها عن سلوك درب الاجتهاد، فما شموا رائحة العلم، ولا ذاقوا حلاوة الفقه في الدين، وإنما البكاء على ضعف الهمم.
فإذا زالت عنك غمامة وضباب الشُبَه، وعلت همتك، وتاقت نفسك لتكون من أصحاب هذا العلم وتسلك طريق تحصيله؛ فحُقَّ على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن يتصور معناه أولًا
[ ١ / ٣٠ ]
بالحد ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه تمييزًا له عن غيره، وما الغاية المقصودة من تحصيله حتى لا يكون سعيه عبثًا، وما عناه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله ليتصور طلبها، وما منه استمداده لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سَبْقِ معرفتها فيه لإمكان البناء عليها (^١).
لذلك كان من الواجب قبل الولوج إلى صلب الأصول، أن يحيط الدارس بهذا العلم بداياته ونهايته؛ ليحصل له من تصور هذا العلم ما يمكنه من الإبحار فيه بسلاسة.
لذا سنتناول دراسة ذلك في الفصول التالية إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) الإحكام للآمدي (١/ ١٩).
[ ١ / ٣١ ]