جاءت هذه المرحلة عقب المرحلة التي استقرت فيها كتب الأصول وأرسيت القواعد.
وكانت الأربع: العمد، والمعتمد، والبرهان، والمستصفى عليها المعول وإليها المآل.
فجاء الإمامان من المتكلمين المتأخرين فلخصا هذه الكتب الأربعة وهما:
١ - الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) في كتابه المحصول.
٢ - الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة (٦٣١ هـ) في كتابه الإحكام في أصول الأحكام.
واكتسب هذان الكتابان مكانة معتبرة عند الأصوليين، باعتبار أنَّ
[ ١ / ١١٣ ]
كل ما جاء من جهد أصولي بعدهما هو دائر حولهما في الجملة، أو سالك طريق أحدهما في الجملة.
فالمؤلفون في الأصول بعد القرن السابع سلكوا أحد الطريقين:
١ - طريقة الرازي في المحصول.
٢ - طريقة الآمدي في الإحكام.
إما اختصارًا أو تعليقًا أو شرحًا.
وهناك فرق بين طريقة الرازي في المحصول، وطريقة الآمدي في الإحكام في التحقيق والحجاج.
فالرازي أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل.
المحصول للإمام فخر الدين الرازي:
اعتنى به العلماء شرحًا واختصارًا، ومن شروحه:
١ - شرح لشهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ).
٢ - شرح لشهاب الدين الأصفهاني المتوفى سنة (٦٨٨ هـ).
وأما من اختصره:
١ - اختصره تلميذه سراج الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٧٢ هـ) في
[ ١ / ١١٤ ]
كتاب سماه (التحصيل).
٢ - اختصره الإمام تقي الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٥٢ هـ) في كتاب سماه (الحاصل).
٣ - مختصر تنقيح الفصول للإمام شهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ).
ثم جاء المختصر الذي أصبح مرجعًا لطلاب العلم يحفظونه ويدرسونه في المدارس والمعاهد، وهو مختصر الإمام البيضاوي ناصر الدين أبي الخير عبد الله بن عمر الشافعي المتوفى سنة (٦٨٥ هـ)، وقد أسمى مختصره (منهاج الوصول إلى علم الأصول).
فهو اختصر مختصرات المحصول (الحاصل التحصيل) فجمع منهما كتابا مختصرًا على طريقة المتون بعبارة موجزة في عرض الخلاف والأدلة.
• وقد اعتنى العلماء وطلبة العلم بمنهاج البيضاوي دراسة وشرحًا، فمن شروحه:
١ - نهاية السول في شرح منهاج الأصول، للإمام جمال الدين الإسنوي المتوفى سنة (٧٧٣ هـ).
٢ - شرح للإمام تقي الدين السبكي المتوفى سنة (٧٥٦ هـ)، ولم
[ ١ / ١١٥ ]
يكمله فشرحه إلى قول البيضاوي: الواجب إن تناول كل واحد فهو فرض عين.
ثم أتم شرحه ابنه تاج الدين السبكي المتوفى سنة (٧٧١ هـ) في كتابه الإبهاج شرح المنهاج.
٣ - منهاج العقول في شرح منهاج الأصول، للإمام محمد بن الحسن البدخشي.
ونظمه الشيخ شمس الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦ هـ) نظمًا سماه النجم الوهاج، وشرح هذا النظم ابنه أحمد المشهور بابن العراقي.
• الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.
اختصره الإمام أبو عمرو عثمان بن عمرو، المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة (٦٤٦ هـ)، وسمى مختصره منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ثم اختصر المنتهى في كتاب سماه مختصر المنتهى.
وقد أكبَّ العلماء على مختصر المنتهى شرحًا وتعليقًا ودراسة، فكثرت شروحه؛ ومن أهم شروحه: كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، للإمام تاج الدين السبكي.
[ ١ / ١١٦ ]
ثم انحصر بعد ذلك جهد الأصوليين على كلا المختصرين:
منهاج البيضاوي، ومختصر ابن الحاجب. وما عليهما من شروح.
ثم تلت تلك المرحلة مرحلة ما بعد القرن السابع، وهي التي يؤرخ لها المؤرخون بفترة الركود والجمود في كل العلوم؛ فانتشر التقليد، وعكف العلماء على المختصرات، والحواشي، والشروح، وعدم الاجتهاد والتجديد.
وظل الأمر كذلك حتى جاء تاج الدين السبكي الإمام الفحل الكبير في القرن الثامن، فشرح منهاج البيضاوي، وشرح مختصر ابن الحاجب؛ فاستوعب الكتابين فصنف استقلالًا كتابه المختصر في الأصول المسمى (جمع الجوامع)، فغطى كتاب جمع الجوامع على كلا الكتابين واشتغل العلماء وطلاب العلم به، واعتنوا به ما بين شارح له، ومحشي عليه، أو مختصر له، أو ناظم له، أو منكت عليه، حتى قاربت الكتب المصنفة عليه سبعين كتابًا.
[ ١ / ١١٧ ]