علم أصول الفقه في عهد النبوة
• تنبيه: إن معرفة تاريخ أي علم من العلوم نشأة وتطورًا له فوائد منها:
١ - الإحاطة بجوانب هذا العلم بداياته ونهاياته، فيسهل على الدارس أن يضع لنفسه منهجًا يستطيع من خلاله أن يرتقي في هذا العلم.
٢ - معرفة فضل السلف على الخلف، فكم ترك السلف المبارك نتاجًا تذخر به المكتبة الإسلامية اليوم.
٣ - علو همة الدارس في أن ينظر في بناء هذا العلم، ما ينقصه فيكمله، فيضيف لبنة في بناء العلم الشامخ؛ فإن العلماء في التصنيف في كل علم على أضرب:
فمن تصانيفهم ما بُسط ليسهل فهمه، ومنها ما اختُصِر ليسهل حفظه.
[ ١ / ٥٢ ]
ثم يأتي اللاحق فإما أن يختصر ما بسطه السابق، أو يستدرك عليه مسائل، أو يرتب أبوابه.
أو يأتي إلى ما اختصره السابق فيشرحه ويبين فوائده، ويفتح أبواب كنوزه.
أو يأتي إلى مسألة واحدة من مسائله فيصنف فيها استقلالًا، فيجمع أقوال العلماء وخلافهم، ويستفرغ وسعه في بحثها، ثم يرجح فيها ما يترجح لديه.
٤ - الرد على الشبهات المثارة حول هذا العلم، وغير ذلك من الفوائد.
وعليه لابد من معرفة تاريخ علم أصول الفقه، وتطوره بداية من عصر النبوة إلى يومنا هذا، وهذه ما سنتناوله في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وأول ذلك أصول الفقه في عصر النبوة.
كان الصحابة ﵃ يعيشون في صدر الإسلام، والوحي ينزل، فيتلقون من النبي ﷺ الأحكام والشريعة والعقيدة وسائر أبواب الدين، فكانوا يتلقون هذا الدين منه ﷺ غضًّا طريًّا.
وعلم أصول الفقه كان علمًا مبثوثًا، وملكة راسخة عند الصحابة في عصر النبوة وبعده، بل كانوا منضبطين في تعاملهم بجملة من القواعد
[ ١ / ٥٣ ]
استحالت بعد ذلك في عصر التدوين إلى علوم، وصنفت فيها المدونات وأخرجت للناس.
يقول الزركشي: علم أصول الفقه قاعدة الشرع، وأصلٌ يرد إليه كل فرع، وقد أشار المصطفى ﷺ في جوامع كلمه إليه، ونبه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنِّية، ورموز خفية (^١).
• وقد كان هذا العلم في عصر النبوة على جزأين أو مستويين:
الأول: جزء كان ملكة عندهم بحكم السليقة واللسان العربي، والصحابة كانوا عربًا قِحاحًا، فكانوا لا يجدون عنتًا وتكلفًا في معرفة مراد الله في كتابه، ومراد رسوله ﷺ في سنته.
ولا شك أن معرفة دلالات الألفاظ هي مناط الاستنباط الدقيق للأحكام من الوحيين (الكتاب والسنة)، بل هو المقصد الأعظم من أصول الفقه.
والثاني: كان تربية وتلقيًا من رسول الله ﷺ، يدلهم فيها النبي ﷺ على طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وكان جزءًا من الممارسة العملية لهذا العلم.
فالصحابة كانوا أعلم الناس بلغة العرب مصدرًا وموردًا مع
_________________
(١) البحرالمحيط للزركشي (١/ ٤).
[ ١ / ٥٤ ]
مشاهدتهم التنزيل، فتحصَّل لهم من ذلك الرسوخ العلمي بدلالات الألفاظ مما يحتاج إليه المشتغل باستخراج الأحكام من الكتاب والسنة.
قال ابن القيم: فإنَّ الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقوها من فيِّ رسول الله، فلا يُظن بأحد منهم أن يُقْدِمَ على قول: أمَرَ رسول الله، أو حرَّم، أو فرض إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه واحتمال خلاف هذا، كاحتمال الغلط والسهو في الرواية بل دونه، فإن رد قوله أَمَرَ ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر (^١).
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنَّ الصحابة ﵃ أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم (^٢)؛ لذلك بنى العلماء على ذلك أحكامًا أصولية، منها:
١ - قول الصحابي: حرَّم رسول الله ﷺ كذا أو أمر بكذا، وقضى بكذا، أو أوجب كذا. في حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ.
٢ - جواز رواية الحديث بالمعنى.
_________________
(١) تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٩/ ٢٤٢).
(٢) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٣/ ٣٧٤).
[ ١ / ٥٥ ]
قال السبكي: إنَّ الصحابة ﵃ ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، وكتب الحديث تشهد بذلك، ومن الظاهر أنَّ النبي ﷺ لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ، بل نحن في بعضها قاطعون بذلك، وكان هذا شائعًا بينهم ذائعًا غير منكر من أحد، فكان إجماعًا على نقل الحديث بالمعنى (^١).
٣ - اعتبار بيان الصحابة النصوص وتفسيرها.
فعلماء الأصول يقررون أنَّ القرآن يبين مجمل القرآن، وكذلك السنة تبين مجمل القرآن ومجمل السنة، ثم يأتي بيان الصحابة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
قال شيخ الإسلام: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين مثل عبد الله بن مسعود (^٢).
_________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (٣/ ٣٤٥).
(٢) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية (٢٦).
[ ١ / ٥٦ ]
قال ابن حجر: وتفاسير الصحابة عند جمهور الأئمة المتقدمين على ما نقله الحاكم أبو عبد الله محمولة على الرفع، وبعض المحققين حمل ذلك على ما يتعلق بأسباب النزول وما أشبهها، وهو واضح والله أعلم (^١).
لذلك كان خطأ أكثر المستدلين بالألفاظ على غير وجهها الصحيح، إنما كان بسبب استعمالهم الألفاظ في معانٍ غير ما استعمله الصحابة.
فمن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ، وعادتهم في الكلام حرَّف الكلم عن مواضعه.
لذلك فالرجوع إلى فهم الصحابة للألفاظ أمر متعين سواء في معانيها اللغوية أو الشرعية.
فهذا العلم (أصول الفقه) كان موجودًا بين الصحابة وكانوا يعرفونه.
قال السبكي: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به -يعني أصول الفقه- بطباعهم، كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجيء الخليل وسيبويه، فكانت ألسنتهم قويمة، وأذهانهم مستقيمة، وفهمهم لظاهر
_________________
(١) تغليق التعليق لابن حجر (٢/ ٢٥).
[ ١ / ٥٧ ]
كلام العرب دقيق عتيد؛ لأنهم أهله الذين يؤخذ عنهم، أما بعدهم فسدت الألسن، وتغيرت الفهوم، فيُحتَاج إليه كما يُحتَاج إلى النحو (^١).
فالصحابة كانوا يفهمون نصوص الوحي بحكم سليقتهم العربية، لذا لم تبرز الحاجة إلى تسطير قواعد تساعد على فهم النصوص، ولم تُرْوَ عنهم تلك القواعد؛ لأنها كانت مركوزة في الفِطَر بحكم الطبيعة واللسان العربي.
وكانت محاولاتهم واجتهادهم في فهم النصوص في حياة النبي ﷺ، فمنهم مصيب، ومنهم مخطئ، والنبي ﷺ يُقَوِّمُ ذلك، يُصَوِّب هذا ويُخطِّئ هذا، ويبين لهم الراجح والمرجوح.
والأدلة والأمثلة على استعمال الصحابة لتلك القواعد التي يصدرون عنها في فهم النصوص كثيرة:
منها: إقراره ﷺ لاجتهاد الصحابة، وإن أدى ذلك إلى اختلافهم نتيجة اجتهادهم في فهم المراد.
فعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في
_________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (١/ ٨).
[ ١ / ٥٨ ]
الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذُكِرَ للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم (^١).
ففريق اعتمد على ظاهر اللفظ، وفريق اعتمد على المعنى والنظر والحكمة المقصودة من اللفظ؛ وهذان مسلكان يحتاجهما الفقيه.
ومنها: أنَّ عمرو بن العاص ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم، إني احتلمت في ليلة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (^٢).
فعمرو بن العاص ﵁ استدل بعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، على جواز أن يصلي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٤٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
(٢) صحيح لطرقه: أخرجه أبوداود (٣٣٤)، والدارقطني في سننه (٦٨١) وغيرهما من حديث عمرو بن العاص، وله طرق ومتابعات فيها بعض الاختلاف الذي لا يضر.
[ ١ / ٥٩ ]
بأصحابه متيممًا حفاظًا لنفسه من الهلكة، وهذا باب العموم من أبواب أصول الفقه، وأقره النبي ﷺ على ذلك، بل لم يأمره بالإعادة، بل إنَّ ضحك النبي ﷺ يدل على ما هو أعلى من مجرد الإقرار، إنه يدل على الإعجاب بالفهم والعمل.
ومنها: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه. قال: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^١).
وهذا فيه دلالة على أنَّ قواعد أصول الفقه كانت حاضرة في أذهان الصحابة فالآية: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على الصحابة للعموم الوارد في الآية.
فهذه القواعد كانت مستقرة في أذهان الصحابة؛ لذا شق ذلك عليهم فقالوا: فأينا لا يظلم نفسه. فبين لهم النبي ﷺ أنَّ الأمر ليس كما
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.
[ ١ / ٦٠ ]
فهموا، بل هو عموم مخصوص، أو عموم يراد به الخصوص وهو الشرك.
ومنها: حديث ابن عمر قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، إذ جاءهم آت، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أُنْزِل عليه الليلة، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى القبلة (^١).
• وهذا فيه دلالة على قواعد ومسائل أصولية عدة، منها:
أولًا: أنَّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وهذا كان مقررًا في أذهان الصحابة؛ لذلك استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة، مع ما يلزم ذلك من محظورات ككثرة الحركة والاستدارة ونحوها في الصلاة.
ثانيًا: أنَّ الأمر على الفور، فلم ينتظروا ولو لمجرد إنهاء الصلاة.
ثالثًا: أنَّ العلم شرط في التكليف، فمع أنَّ النص نزل قبل ذلك بزمن، لكنهم لم يُكَلَّفوا به إلا بعد وصوله إليهم، بدليل إكمالهم للصلاة مع أنهم صلوا منها ركعتين لقبلة منسوخة.
رابعًا: أنَّ التكليف بالنص يكون إذا سلم من المعارض، فالحركة والدوران والانتقال للرجال مكان النساء والعكس، كل ذلك محظور
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٩٤)، ومسلم (٥٢٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
[ ١ / ٦١ ]
ممنوع، لكنهم غير مكلفين به لوجود العارض، وهو وصول نص تحويل القبلة إليهم.
خامسًا: حجية خبر الواحد، وأنه دليل معتبر من أدلة الأحكام؛ لذا قبلوا قول الصحابي وعملوا به.
ومنها: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: «لمن عمل بها من أُمتي» (^١).
وفي رواية: فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: «للناس كافة» (^٢).
فلما نزلت الآية جوابًا على سؤال السائل فهم منها أنها له خاصة، فسأل النبي ﷺ؛ فبين أنها للناس كافة.
وهذه دلالة على قاعدة أصولية وهي: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٦٨٧)، ومسلم (٣٩) (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.
(٢) أخرجه مسلم (٤٢) (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود أيضا مرفوعًا.
[ ١ / ٦٢ ]
ومنها: سؤالهم النبي ﷺ عن تعليل الأحكام، كما في حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل؛ فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود»، فقال أبو ذر: يا رسول الله، فما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ فقال ﷺ: «الكلب الأسود شيطان» (^١).
وهذا فيه أيضًا العمل بمفهوم المخالفة، فأبو ذر فهم أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
ومنها: أن النبي ﷺ أَقَرَّ معاذًا ﵁ على اجتهاد رأيه فيما لا يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فكان هذا إجازة في الاجتهاد فيما لا نص فيه.
وذلك لما بعثه إلى اليمن فقال: بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسوله» (^٢). فبين معاذ الأدلة التي يأخذ منها
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥١٠) من حديث أبي ذر مرفوعًا.
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذي (١٣٢٧)، وأبو داود (٣٥٩٢)، وأحمد (٢٢٠٦١) وغيرهم، من حديث معاذ بن جبل، وفيه: الحارث بن عمرو، على الجهالة، وشيوخه على الجهالة أيضا، وقد ضعف الحديث غير واحد من أهل العلم منهم: البخاري والترمذي، وإن كان هناك من الأئمة من صححه.
[ ١ / ٦٣ ]
الأحكام، وهي الكتاب والسنة والرأي والاجتهاد، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
ومنها: أنَّ القياس -وهو من الأدلة- عمل به النبي ﷺ وقرره وعلَّمه الصحابة -رضوان الله عليهم-.
ومن هذا ما كان تعليمًا وتربية منه ﷺ لصحابته كيف يتعاملون مع ما يستجد لهم من الحوادث إن لم يكن معهم نص فيها، فكان القياس تقريرًا شرعيًّا لمبدأ من مبادئ التعامل مع النصوص.
ومن ذلك عن ابن عباس ﵄: أنَّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: اقضوا الله الذي له، فإنَّ الله أحق بالوفاء» (^١).
وفي حديث ابن عباس ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣١٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
(٢) أخرجه مسلم (١١٤٨) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
[ ١ / ٦٤ ]
فكلا الحديثين قياس من النبي ﷺ، وهو قياس الأولى، فالأصل الدين المادي، والفرع الحج والصيام، والجامع بينهما أنَّ كليهما دين؛ لذلك أعطى النبي ﷺ حكم الأصل للفرع بجامع العلة، وقوله ﷺ: «أرأيت لو كان … الحديث»، هذه تربية منه للصحابة وتعليم لهم كيف يستنبطون الأحكام.
وجاء من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: «هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى كان ذلك؟ قال: أراه عرق نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (^١).
ومن ذلك ما ورد من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ» (^٢).
وهذا نوع من أنواع القياس يسمى قياس العكس، وهو إثبات نقيض حكم الأصل للفرع؛ لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٨٤٧)، ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٢) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر مرفوعًا.
[ ١ / ٦٥ ]
ومنها: تعليمه ﷺ كيفية التعامل مع النصوص عند إيهام التعارض، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من حوسب يوم القيامة عُذِّب»، فقلت: أليس قد قال الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]، فقال: «ليس ذلك الحساب إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب» (^١).
فعائشة ﵂ فهمت العموم في قول النبي ﷺ، وقابلته بآية من كتاب الله ظاهرها التعارض.
ومنها: أبواب مقاصد الشريعة وتقديم خير الخيرين، ودفع شر الشرين، فلقد قرر قواعدَ هذا الباب النبيُّ ﷺ.
كما في حديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «لولا أنَّ قومك حديث عهد بشرك، لهدمت الكعبة … الحديث» (^٢).
وكما في حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنَّ عبد الله بن أبي لما قال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦)، ومسلم (١٣٣٣) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.
[ ١ / ٦٦ ]
المنافق. فقال النبي ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه» (^١).
وهذا باب من أبواب أصول الفقه، وهو باب التزاحم، ماذا يقدم إذا تزاحم واجب مع واجب، أو محرم مع محرم، وغير ذلك.
وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
فتطبيق الأصول علمًا ذا قواعد وطرقًا للاستنباط والفهم، كان موجودًا في عصر النبوة، جزءًا منه كان موجودًا سليقة باللسان العربي الذي يمتلكونه، وجزءًا كان تربية من النبي ﷺ يعرفهم مبادئ الاستنباط، ومآخذ الحكم من الدليل.
فتكوَّن بذلك ملكة عند الصحابة أهَّلَتْهم بعد وفاة النبي ﷺ، ليكونوا فقهاء وعلماء مجتهدين يقوون على استنباط الأحكام من الأدلة، للمسائل التي لم يكن لها تعيين في القرآن ولا في السنة.
وقد كان ذلك واضحًا منذ اليوم الأول لهم بعد وفاة النبي ﷺ، فلم يكونوا عالة على النصوص، بل وفقهم الله تعالى لاتخاذ المواقف الصحيحة، واستنباط الأحكام الصحيحة، وأن يكونوا علماء مجتهدين منذ اليوم الأول بعد وفاة النبي ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر مرفوعًا.
[ ١ / ٦٧ ]