علم أصول الفقه في عصر التابعين
ما زال علم أصول الفقه إلى الآن قواعد على ألسنة العلماء من الصحابة وتلاميذهم من التابعين لم يُدوَّن كعلم مستقل.
وقد وَرِث التابعون هذا العلم من الصحابة بملازمتهم، والتفقه عليهم، فتشكلت حلق ومدارس للصحابة يُدَرِّسون فيها العلم للتابعين.
فكان ابن عباس في مكة، وابن عمر في المدينة، وعبد الله بن مسعود في الكوفة، وأنس بن مالك في البصرة، وأبو الدرداء في الشام، وكان من سياسة عمر ﵁ أن يرسل مع الجيوش في الفتوحات من يعلِّم أهلها.
فتأثر أهل كل بلد بفقه الصحابي الذي فيه، فورثوا علم الصحابة من خلال التأثر بطرائق الصحابة في الفهم والفتوى.
وقد يرحل التابعي إلى الصحابي، فيجمع فقهه وعلمه، ثم يرحل إلى آخر، فيجمع فقهه وعلمه.
[ ١ / ٧٥ ]
وقد يلزم التابعي صحابيًّا بعينه حتى يُشتهر بالأخذ عنه.
ومن ذلك: سعيد بن المسيب اشتهر بالأخذ عن أبي هريرة.
وكذلك نافع مولى ابن عمر اشتهر بالأخذ عنه، وتشرب فقهه.
واشتهر عكرمة بالأخذ عن ابن عباس، والتفقه عليه.
فورَّث الصحابة العلم بانتشارهم في الآفاق والبلاد، وتدريسهم العلم لطلابهم، والآخذين عنهم.
فتشرب به التابعون، وورَّثوه بدورهم إلى غيرهم من أتباعهم، بل إنَّ المذاهب الفقهية الكبرى كانت متأثرة بفقه الصحابة.
ففقه أبي حنيفة ينتهي في إسناده إلى عبد الله بن مسعود.
وفقه مالك ينتهي في إسناده إلى ابن عمر (مالك عن نافع عن ابن عمر).
وفقه الشافعي ينتهي في إسناده إلى ابن عباس (الشافعي عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس)، وقد جمع ﵁ بين علم الحجاز (مالك)، وعلم العراق (أبو حنيفة).
وفقه أحمد بن حنبل متأثر بفقه الشافعي، فهو أجل من أخذ عنه.
فالصحابة ورَّثوا العلم للتابعين، ثم تلت تلك المرحلة مرحلة تابعة
[ ١ / ٧٦ ]
لها، فاتسعت بلاد الإسلام والفتوحات الإسلامية، وامتد الزمان، وانقرض عهد الصحابة بموت أحدهم تلو الآخر، ولم يبق إلا جيل التابعين الذين أخذوا من الصحابة، ثم ورَّثوا أتباعهم الذين جدت في عهدهم أمور منها:
١ - كثرة الفتوحات الإسلامية واتساع رُقعة البلاد الإسلامية.
٢ - ضعف اللغة وانتشار العجمة.
٣ - قلة الصحابة ﵃.
٤ - قلة رواية الحديث كما في العراق والشام والبصرة.
٥ - نشأة الفرق أو المذاهب المخالفة (الخوارج، والشيعة، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة)، وأصحاب هذه الفرق كانوا يستدلون لمذاهبهم بالأدلة.
فكانوا يعتمدون في فهم النصوص على قواعد عقيمة، وفهوم سقيمة تخالف ما كان عليه الصحابة الكرام والسلف الأطهار.
فهذه الأمور كانت عائقًا أمام انتقال العلم بصورته الوراثية بين الأجيال، كما كان في الصحابة مع التابعين، والتابعين مع أتباعهم.
لذلك دعت الحاجة إلى أن يدون علم أصول الفقه، حتى يحفظ من الضياع بين تلك المآخذ والمذاهب، وذلك كان في منتصف القرن الثاني
[ ١ / ٧٧ ]
الهجري.
وكانت أولى المحاولات في جمع هذا العلم المبارك على يد الإمام المطلبي الشافعي محمد بن إدريس ﵀.
[ ١ / ٧٨ ]