أصول الفقه في عصر الصحابة
عاش الصحابة مرحلة لا وحي فيها بعد وفاة النبي ﷺ، لكنهم امتلكوا قدرًا كبيرًا من فهم الشريعة، وإدراك مقاصدها.
وبعد وفاة النبي ﷺ أصبح هذا العلم أكثر بروزًا، وهذه التطبيقات أكثر وضوحًا، وكانوا يجتهدون في كثير من المسائل المستجدة، وظهر في اجتهادهم النظر السديد، والفقه الدقيق.
فصار تعامل الصحابة مع النصوص وفهمها بمثابة وضع القواعد للفهم والاستنباط فيما يتعلق بدلالات الألفاظ.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ كلمة، وقلتُ أخرى، قال النبي ﷺ: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار»، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًّا دخل الجنة (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٩٧)، ومسلم (٩٢) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.
[ ١ / ٦٨ ]
فهذه إشارة إلى دلالة مفهوم المخالفة الذي عبر عنه الخطيب البغدادي فقال: ولم يقل عبد الله هذا إلا من ناحية دليل الخطاب (^١) اه.
ومنها: أنَّ عمر ﵁ أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فهَمَّ برجمها، فبلغ ذلك عليًّا ﵁ فقال: ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه، فقال: قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فستة أشهر حمله وحولين تمام لا حد عليها، فخلى عمر عنها (^٢).
وهذه إشارة إلى دلالة القرآن للحكم من دليلين، باستخراج حكم لم يدل عليه أحدهما، وإنما استفيد من مجموعهما، وتسمى (دلالة إشارة).
ومنها: إجماع الصحابة أنَّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، كاحتجاج أبي بكر على عمر ﵄ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
_________________
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٣٢٣) ط ابن الجوزي.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٢٦٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١٧٤٦)، وغيرهم من طرق عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي حرب بن أبي الاسود الديلي عن أبيه عن عمر بن الخطاب فذكره.
[ ١ / ٦٩ ]
[البقرة: ٤٣]، وذلك في نفي التفريق بين تارك الصلاة ومانع الزكاة في الحكم بالوجوب.
وكذلك فهم أنَّ هناك من الأوامر على الوجوب، ومنها ما ليس بواجب، كما في حديث علي ﵁: الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّه رسول الله ﷺ وقال: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» (^١).
وكذلك فهم الصحابة أنَّ النهي قد يأتي للتحريم، وقد يأتي لغير التحريم.
كما في الصحيحين من حديث أم عطية ﵂ قالت: نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا (^٢).
ومنها: إجماع الصحابة على أنَّ للعموم صيغًا تخصه.
قال الآمدي: وأما الإجماع فمنه احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنسائي في «الكبرى» (٤٤٠)، وابن ماجه (١١٦٩) من طريق عاصم بن ضمرة - وهو صدوق- عن علي بن أبي طالب به.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) من حديث أم عطية به.
[ ١ / ٧٠ ]
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» (^١) (^٢).
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء، وهو قوله ﷺ: «إلا بحقها» فدل ذلك على أنَّ لفظ الجمع المعرَّف للعموم.
ومنها: احتجاج فاطمة ﵂ على أبي بكر ﵁ في توريثها من أبيها ﷺ فدك والعوالي، بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة.
بل عدل أبو بكر ﵁ إلى ما رواه عن النبي ﷺ من دليل التخصيص، وهو قوله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (^٣) اه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٢) الإحكام للآمدي الكتاب العربي (٢/ ٢٢٣).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٩٢)، ومسلم (١٧٥٩) من حديث عائشة مرفوعًا.
[ ١ / ٧١ ]
• وكذلك في استخدامهم القياس لاستنباط الأحكام في المسائل الغير منصوص فيها:
منها: قياسهم شارب الخمر على المفتري في جلده ثمانين جلدة قياسًا على المفتري، فقد أخرج مالك في الموطأ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل؟ فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سَكَر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى (^١). فَجَلد عمر في الخمر ثمانين.
ومنها: قياسهم قتل الجماعة بالواحد قياسًا على سرقتهم.
ومنها: جعلهم الرقيق على النصف من الحُر في النكاح والطلاق والعدة قياسًا على الحدود.
وقولهم بالعول في الفرائض، لإدخال النقص على جميع الورثة قياسًا على النقص على الغرماء في الدين، وغيرها الكثير.
قال الجويني: ونحن نعلم أنَّ الصحابة ﵃ كانوا يبتدرون إلى القياس بالحوادث ما شذ منها وما ظهر، ونعلم قطعًا بألفاظ مصرح بها،
_________________
(١) حسن بمجموع طرقه: أخرجه مالك في الموطأ (٢٤٤٢)، ولكن سنده معضل، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٥٢٦٩) وغيره من حديث ابن عباس، ولكن فيه راو مجهول، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٣٤٢) وفيه انقطاع، والأثر له طرق أخرى، وحاصله أنها تقوي بعضها.
[ ١ / ٧٢ ]
وهذا ما لا سبيل إلى جحده، والذي يوضح ذلك أنهم اعتبروا طريق القياس في غوامض المسائل مع شغورها عن العلل المنصوصة في أصولها (^١).
وقد اختصر الإمام الشاطبي منهج الصحابة في الاستدلال والقياس بكونه منطلقًا من أمرين: الوحي، والمقاصد. فيقول: الصحابة ﵃ قصروا أحكامهم على اتباع الأدلة، وفهم مقاصد الشرع (^٢).
وكان من منهجهم أيضًا في الاستدلال اعتناؤهم بتعليل الأحكام، وهو كثير في اجتهادهم، فبنوا الأحكام المقيسة على العلل؛ كتعليلهم أولوية أبي بكر بالخلافة، لأنَّ النبي ﷺ رضيه لدينهم، وتعليل علي ﵁ جلد شارب الخمر ثمانين بأنه إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، والفرية حدها ثمانون جلدة.
فلذلك كان من أسباب اختلاف الصحابة اختلافهم في التعليل.
فالصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا علماء مجتهدين، وقد تفاوتوا في الفقه والفهم غاية التفاوت، وكانوا يجتهدون ويختلفون وينكر بعضهم على بعض، ويستدرك بعضهم على بعض.
_________________
(١) التلخيص في أصول الفقه للإمام الجويني (٣/ ٢٤٧).
(٢) الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٥٣).
[ ١ / ٧٣ ]
وفي كل ذلك كانت قواعد علم أصول الفقه حاضرة في أذهانهم، وفي اجتهادهم، لكنها لم تكن مدونة، بل كانت في أذهانهم.
وورَّث الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا العلم إلى جيل التابعين، كما ورَّثوا غيره من العلوم.
[ ١ / ٧٤ ]