قيل: هو الأدلة الإجمالية (^١) وهى الكتاب والسنة، وما يحتويانه كالعام والخاص والمطلق والمقيد، ونحو ذلك.
وقيل: هو الكتاب والسنة، وبيان حال المستفيد، وكيفية الاستفادة منهما (^٢).
وقيل: هو بيان طرق الاستنباط (^٣).
وهذا من فوائد علم أصول الفقه أيضًا، فهو علم يبين كيفية استنباط الأحكام، فلا يستطيع الفقيه أن يستنبط أحكامًا إلا إذا كان أصوليًّا.
مثال: قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾
_________________
(١) المنهاج للبيضاوي (٥).
(٢) وهو تعريف البيضاوي لعلم أصول الفقه بأنه معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
(٣) التأسيس في أصول الفقه للشيخ مصطفى سلامة (١١).
[ ١ / ٣٦ ]
[البقرة: ١٨٧]، فالحكم الظاهر من الآية هو حل الجماع في ليل رمضان.
• مسألة: هل يجوز للصائم أن يصبح جنبًا؟
من الفقهاء من يقول: نعم يجوز له ذلك. ومنهم من يقول: يجب أن يغتسل بالليل. وهذه الآية دليل للقائلين بالجواز؛ لدلالة إشارتها، حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والليل يبدأ من غروب الشمس وينتهى ببزوغ الفجر، والآية تبين أنَّ كل الليل يحل فيه للرجل أن يجامع زوجته، وما دام أنَّ الشرع أحل له كل الليل، فهذا يلزم منه أنه قد يصبح جنبًا، ولو قيل يجب أن يصبح طاهرًا، فهذا يلزم منه أنه لابد من وجود وقتٍ من الليل يحرم الجماع فيه، وهو الوقت الكافى للاغتسال، وهذا يُحَرِّم الرفث في جزء من الليل، وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وكقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، والفصال هو الفطام، فتمام الفطام في عامين، والآية الأولى تبين أنَّ الحمل والفطام في ثلاثين شهرًا، وبالنظر للآيتين علم أنه من الجائز أن تلد المرأة بعد ستة أشهر
[ ١ / ٣٧ ]
من الحمل.
• مسألة أخرى: حكم صلاة المرأة في المسجد؟ وهل الأفضل صلاتها في بيتها أم في المسجد؟
أولًا: حكم الصلاة في المسجد الجواز؛ لقوله ﵊: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (^١)، أما في بيتها فهو أفضل، فعن أم حميد امرأة أبى حميد الساعدي ﵄ أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنى أحب الصلاة معك قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معى، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدى»، قال: فأمرت فبُنِى لها مسجد في أقصى شاء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله ﷿ (^٢)، وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
(٢) صحيح بمجموع شواهده: أخرجه أحمد (٢٧٠٩٠)، وابن خزيمة (١٦٨٩)، وغيرهما من حديث أم حميد مرفوعًا، وسنده فيه ضعف، ولكن له شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود (٥٧٠) وغيره بسند حسن، وشاهد آخر عند ابن أبي شيبة (٧٦٩٧) من حديث ابن عباس، وسنده لا بأس به.
[ ١ / ٣٨ ]
خير لهن» (^١)،
وعن ابن مسعود بلفظ: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (^٢)، فالحكم العام ذكره رسول الله ﷺ، وهو جواز صلاة المرأة في المسجد، لكن صلاتها في بيتها أفضل.
وبالنظر للقواعد يمكن أيضًا إخراج هذا الحكم بدلالة الإشارة من القرآن.
وقد استُنبِط هذا الحكم من القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وذلك على النحو التالي.
١ - الخطاب في الآية متوجه لمريم، والقاعدة: شرع من قبلنا شرع
_________________
(١) صحيح بشواهده: أخرجه أبو داود (٥٦٧)، وأحمد (٥٤٦٨) وغيرهما من حديث ابن عمر، ولكن فيه عنعنة مدلس، ويشهد له حديث أم حميد السابق، وحديث ابن مسعود التالي، كذلك يشهد للفقرة الأولى منه: حديث البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر أيضًا.
(٢) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٥٧٠)، والحاكم (٥٧٥) وغيرهما من حديث ابن مسعود، وفيه راو صدوق، وانظر حديث ابن عمر السابق. مخدعها: هو الحجرة الصغيرة داخل الحجرة الكبيرة التى يحفظ فيها الأمتعة النفيسة.
[ ١ / ٣٩ ]
لنا ما لم ينسخ. إذن فقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٣٧] هو خطاب لكل نساء المسلمين.
٢ - إنَّ كل ذات لها أركان وواجبات وسنن، والأركان هى التى لا توجد الذات إلا بها، والواجبات هى شيء هام للذات، لكن يمكن وجود الذات بدونها، والسنن هى كماليات للذات، فالأصل في الذات هو الركن؛ لأنه بوجوده توجد الذات، وبانعدامه تنعدم الذات؛ لذلك صحَّ شرعًا ولغةً إطلاق الجزء وإرادة الكل ما دام هذا الجزء ركنًا في الشيء، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالذى يحرر لا يحرر رقبة فقط، بل يحرر الجسد كله، ولكنه أطلق الرقبة التى هى جزء وأراد بها كل الجسد؛ لأنَّ الرقبة ركن في الجسد، ومثله عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعمرَة أول مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمروة (^١). أى أنه صلى ركعتين، فعبر عن الركعة بالسجدة، فأطلق الجزء وأراد الكل، إذن فقوله تعالى لمريم ولنساء المسلمين: اسجدي. أى صلي، فأطلق
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦١٦)، ومسلم (١٢٦١) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
[ ١ / ٤٠ ]
الجزء من الصلاة وهو السجود، وأراد به الكل أى الصلاة، وكذلك قوله «واركعي».
٣ - العطف يقتضى المغايرة؛ لأنه يمتنع عطف الشيء على نفسه، وعلى هذا لما ذُكِرَ في الآية: اسجدي واركعي. وعلم أنَّ المراد بهما الصلاة؛ عُلِمَ أن الصلاتين مختلفتان، فاسجدي تعبر عن صلاة، واركعي تعبر عن صلاة أخرى.
٤ - قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، فالمراد بالسجود الصلاة بمفردها، والمراد بالركوع الصلاة في جماعة، بدليل قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وعليه يجوز للمرأة الصلاة في بيتها، والصلاة في المسجد.
٥ - عبَّر عن الصلاة في البيت مفردة بالسجود، وعبر عن الصلاة في المسجد جماعة بالركوع، ومعلوم شرعًا وعرفًا أنَّ السجود أفضل من الركوع، فعلم أنَّ صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.
والخلاصة أن موضوعات علم أصول الفقه: الأحكام الشرعية باعتبارها الثمرة، والأدلة الإجمالية على الأحكام كالكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها، وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وأبواب الاجتهاد والفتوى والتقليد.
[ ١ / ٤١ ]
وقد نظم بعض المعاصرين (^١) ذلك فقال:
علم الأصول أربعٌ أحكام … أدلة دلالة حكام