هو من العلوم الشرعية، فهو ليس من العلوم العربية مثلًا أو العلوم العقلية، بل هو من العلوم الشرعية، ونسبته إلى غيره التباين والاختلاف، فعلم أصول الفقه يعمل في القواعد الأصولية، وعلم الفقه يعمل في الأحكام العملية، وعلم العقيدة يعمل في المسائل العلمية وهكذا، مع العلم أن جميع العلوم الشرعية يخدم بعضها البعض.
ومن ذلك ما يشير إليه الإمام الشاطبي فيقول:
والتاسع: حمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده حتى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقي، كما يحكى عن الفراء النحوي أنه قال: من برع في علم واحد سهل عليه كل علم، فقال له محمد بن الحسن القاضي - وكان حاضرًا في مجلسه ذلك- وكان ابن خالة الفراء: فأنت قد برعت في علمك، فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك، ما تقول فيمن سها في صلاته، ثم سجد لسهوه، فسها في سجوده أيضا؟
قال الفراء: لا شاء عليه، قال: وكيف؟ قال: لأن التصغير عندنا لا
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٢١) دار الكتبي.
[ ١ / ٤٥ ]
يصغر، فكذلك السهو في سجود السهو لا يسجد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير، فالسجود للسهو هو جبر للصلاة، والجبر لا يجبر كما أن التصغير لا يصغر، فقال القاضي: ما حسبت أن النساء يلدن مثلك.
وقال: رُوِيَ أن أبا يوسف دخل على الرشيد والكسائي يداعبه ويمازحه، فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرغك: وغلب عليك: فقال يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي.
فأقبل الكسائي على أبي يوسف، فقال: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ فقال: نحو أم فقه؟ قال: بل فقه، فضحك الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهًا، قال: نعم، قال: يا أبا يوسف ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار، وفتح أن؟ قال: إذا دخلت طلقت، قال أخطأت يا أبا يوسف، فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال "أن" فقد وجب الفعل، ووقع الطلاق، وإن قال "إن"، فلم يجب، ولم يقع الطلاق، قال فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائي، فهذه المسألة جارية على أصل لغوي لا بد من البناء عليه في العلمين (^١).
_________________
(١) الموافقات للشاطبي (١/ ٨٤).
[ ١ / ٤٦ ]