كان الشافعي ﵀ عظيم الأثر في الأمة، وخاصة أنه أول من وضع قواعد علم أصول الفقه كما سبق، ونبه الناس عليه، وذلك مع وفور ذكائه، وقوة حفظه، وثاقب فهمه، وجمعه بين علوم الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والأشعار، والأنساب والتاريخ، وغيرها؛ لذا كان له المكانة العظيمة، والقدر الرفيع العالي عند أكابر علماء الأمة؛ لذا كثر كلامهم في بيان فضله ومكانته، ومن ذلك:
قال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالكًا يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى، يعني: الشافعي.
وقال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، ﵁، وهو شاب أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.
قال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو الله للشافعي فيها.
وعن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: إني لأدعو الله للشافعي في كل صلاة، أو في كل يوم، يعني: لما فتح الله عليه من العلم، ووفقه للسداد
_________________
(١) طبقات الشافعيين لابن كثير بتصرف.
[ ١ / ٨٢ ]
فيه.
وذكر يحيى بن سعيد القطان الشافعي، فقال: ما رأيت أعقل، أو أفقه منه.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ حَاضِرٌ، فَحَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ، فَقَالَ: «تَعَالَ، هَذِهِ امْرَأَتِي صَفِيَّةُ».
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»
فقال ابن عيينة للشافعي، ﵁: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: إن كان القوم اتهموا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كانوا بتهمتهم إياه كفارًا، لكن رسول الله، أدَّب مَنْ بعده، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا، حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أن النبي، ﷺ يُتَّهَم، وهو أمين الله في أرضه، فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه.
وقال قتيبة بن سعيد: الشافعي إمام.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلًا أعقل من الشافعي،
[ ١ / ٨٣ ]
وفي رواية: ما رأيت رجلًا قط أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعي.
وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا أعقل من الشافعي، لو جمعت أمة فجعلت في عقل الشافعي، لوسعهم عقله.
وعن الربيع، أنه قال: لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم.
وعن معمر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء فوجدته كاملًا.
قال أحمد بن حنبل: كانت أقفيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي.
قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله، قال: فجاء فأقامني على الشافعي.
وكان أحمد بن حنبل يقول: ما أحد مس محبرة وقلمًا، إلا وللشافعي في عنقه منَّة.
وقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل عن الشافعي؟ فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت دبيسًا، قال: كنت مع أحمد بن حنبل في المسجد الجامع، فمر حسين، يعني: الكربيسي، فقال: هذا، يعني:
[ ١ / ٨٤ ]
الشافعي، رحمة من الله تعالى لأمة محمد ﷺ، ثم جئت إلى حسين، فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الكتاب، والسنة، والاتفاق؟! وما كنا ندري ما الكتاب والسنة، نحن ولا الأولون، حتى سمعنا من الشافعي، ﵁: الكتاب، والسنة، والإجماع.
وقال إسحاق بن راهويه: الشافعي إمام.
وروى الخطيب عن أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، أنه كان إذا ذكر عنده الشافعي، يقول: حدثنا سيد الفقهاء الشافعي.
قال أبو الوليد بن أبي الجارود: ما رأيت أحدًا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته، إلا الشافعي، فإن لسانه كان أكبر من كتابه.
وقال هارون بن سعيد الأيلي: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنه من خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: ما أحد ممن خالفنا، يعني: خالف مالكًا، أحب إلي من الشافعي.
وقال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، كأن كلامه نظم درا إلى در.
[ ١ / ٨٥ ]
وقال زكريا الساجي: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، يقول: ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسن صلاة، ولا أحسن وجهًا منه، فلما تكلم، ما رأينا أحسن كلامًا منه، فافتتنا به.
وقال الحسن بن محمد الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا، حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتيقظوا.
وقال الربيع: كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتى جاء الشافعي.