ومن العلوم التى كان لعلم الأصول تأثيرٌ واضح فيها أيضًا علم العقيدة، وهذا أمر من الأهمية بمكان؛ وذلك حيث إن علم أصول الفقه يدور موضوعه حول الأدلة بما فيها من أحكام الفقه والعقيدة وغيرها، وكذلك فإن حفظ العقيدة الإسلامية يكون بحماية أصول الاستدلال، والرد على شبه المنحرفين، ونحو ذلك، وكل ذلك محله علم أصول الفقه.
ومما يبين ذلك نجد تطبيق قواعد علم أصول الفقه في كثير من الأحكام العقدية التي لا يمكن فهمها على الوجه الأكمل إلا بالرجوع
_________________
(١) معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٢٦٧).
[ ١ / ١٥٢ ]
لمسائل أصول الفقه وقواعده، فكم من عامٍّ في العقيدة خص بالأدلة، ومطلق قُيِّد، وناسخ ومنسوخ، وغيرها.
ومن ذلك: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه.
ففهم الصحابة من ذلك العموم؛ حيث إن كلمة "ظلم" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فبين النبي ﷺ أن هذا العام أريد به الخصوص؛ حيث بين أن المراد بالظلم هنا هو الشرك قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه»: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^١).
ومنه: عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.
[ ١ / ١٥٣ ]
عذبه» (^١).
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: واعلم أن هذا الحديث عام مخصوص، وموضع التخصيص قوله ﷺ: «ومن أصاب شيئًا من ذلك» إلى آخره، المراد به ما سوى الشرك؛ وإلا فالشرك لا يغفر له (^٢).
ومنه أيضًا: تحريم سجود التحية فهو يخضع لقاعدة شرع من قبلنا المنسوخ بشرعنا ليس شرعًا لنا بالإجماع؛ حيث إن سجود التحية كان جائزًا في شريعة من قبلنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، لكنه نُسِخ في شريعتنا، وهذه قاعدة أصولية تخص أدلة الأحكام المختلف فيها، وضوابط الاستدلال بها، ومنها شرع من قبلنا.
ومنه أيضًا: الحكم على أفعال العباد، وإثبات أنها مخلوقة، والاستدلال على ذلك بالعموم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فلفظ "كل" لفظ عموم يشمل جميع أفراده ما لم يخصص، ومن ذلك أفعال العباد فهي مخلوقة أيضًا لدخولها في العموم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٣)، مسلم (٣/ ١٣٣٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٢٢).
[ ١ / ١٥٤ ]
ومن ذلك رفع التكليف عمن قال قول الكفر لتخلف شرط الاختيار في حقه، وهو من شروط التكليف فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
ومن ذلك الاستدلال بمفهوم المخالفة: فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، قال ابن مسعود: وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (^١).
ومن ذلك: مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج، فقد احتج من نفى الرؤية بقول النبي ﷺ «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت» (^٢)، فيدخل في ذلك النبي ﷺ؛ لأن المقرر في علم الأصول أن النبي ﷺ داخل في خطابه للأمة.
ومن ذلك رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فمما استُدِل به على هذا: مفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٥]، فلما حُجِب الكفار عن رؤية الله تعالى عقابًا علم أن المؤمنين يرونه عطاء ورضا.
واستدل أيضا بالحديث السابق: «تعلموا أن أحدًا لن يرى ربه حتى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٢٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩).
[ ١ / ١٥٥ ]
يموت»، فهذا مفهوم الغاية، ومعناه: أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، والمعنى: لما كانوا لا يرونه قبل الموت علم أنهم يرونه بعد الموت.
ومن ذلك قاعدة عامة وهامة وهي: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره حتى يرد دليل صارف إلى المعنى المؤول.
وهذه القاعدة يستخدمها علماء أهل السنة في باب الأسماء والصفات في إثباتها على ظاهرها وحقيقتها، والرد لتحريف من حرفها أو أولها لعدم وجود الدليل الصحيح الصالح.
ومن ذلك أيضًا: الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض، كأحاديث النهي عن الطيرة مع حديث الشؤم في ثلاث، وكذلك أحاديث نفي العدوى وأحاديث يفهم منها وجودها، وهكذا.
وكذلك استخدم العلماء القواعد الأصولية في تقرير مسائل العقيدة والرد على الشبهات. ومثال ذلك: قال شيخ الإسلام وهو يعدد وجوه الرد على القائلين بالكلام النفسي: وهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، فإذا لم يكن في صدر الأمة إلا قول السلف وقول المعتزلة تعين أن يكون الحق في أحد القولين، ومن المعلوم بالشرع والعقل أن قول المعتزلة باطل للوجوه
[ ١ / ١٥٦ ]
الكثيرة … تعين صحة مذهب السلف (^١).
فقرر ﵀ مذهب السلف، ورد شبهة الأشاعرة بقاعدة أصولية وهي عدم جواز إحداث قول ثالث؛ لأنه يكون مخالفًا للإجماع السابق أن الحق في أحد القولين، فيكون القول الثالث شاذًّا.
ومن ذلك أيضًا: ما استدل به ﵀ على ضلال الرافضة القائلين بإمامة المهدي المنتظر الذي اختفى صغيرًا بقواعد أصولية تخص شروط التكليف في علم أصول الفقه؛ حيث قال: فإن هؤلاء الجهال الضلال يزعمون أن هذا المنتظر كان عمره عند موت أبيه: إما سنتين أو ثلاثًا أو خمسًا على اختلاف بينهم في ذلك، وقد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع الأمة: أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله، فيكون هو نفسه محضونًا مكفولًا لآخر يستحق كفالته في نفسه وماله تحت من يستحق النظر، والقيام عليه، وهو قبل السبع طفل لا يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ العشر ولم يصلِّ أدب على فعلها، فكيف يكون مثل هذا إمامًا معصومًا يعلم جميع الدين، ولا يدخل الجنة إلا من آمن به، ثم بتقدير وجوده وإمامته وعصمته: إنما يجب على الخلق أن يطيعوا من يكون قائما بينهم: يأمرهم بما أمرهم الله به
_________________
(١) التسعينية لابن تيمية (٢/ ٦٨٩ - ٦٩٠).
[ ١ / ١٥٧ ]
ورسوله، وينهاهم عما نهاهم عنه الله ورسوله، فإذا لم يروه ولم يسمعوا كلامه لم يكن لهم طريق إلى العلم بما يأمر به وما ينهى عنه، فلا يجوز تكليفهم طاعته؛ إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه، وطاعة من لا يأمر ممتنعة لذاتها، وإن قدر أنه يأمرهم ولكن لم يصل إليهم أمره، ولا يتمكنون من العلم بذلك: كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به، والتمكن من العلم شرط في طاعة الأمر (^١).
وغير ذلك الكثير من مسائل العقيدة بُنِيَت وأُسِّسَت على القواعد الأصولية، بل ورُدَّ كثير من شبه أهل البدع بالاستناد والرجوع إلى قواعد أصول الفقه.
لذا قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل … " (^٢).
قال ابن تيمية: صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي، وينظر في مراتب الأدلة
_________________
(١) انظر الفتاوى لابن تيمية بتصرف يسير (٢٧/ ٤٥٢).
(٢) الفقيه والمتفقه للخطيب (٢/ ٣٣١).
[ ١ / ١٥٨ ]
حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض (^١).
قال ابن جُزَى: وإنه لنعم العون على فهم كتاب الله وسنة الرسول ﷺ (^٢).
ومما يعلم بالضرورة أنه ليس الفقه وحده يقوم على الأدلة، بل الدين بأسره قائم على الأدلة، سواء كان اعتقادًا بالقلب، أو نطقًا باللسان، أو عملًا بالجوارح، وسواء أكان في العقيدة، أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق.
وكذلك يعلم أنه ليس الفقيه وحده هو من يستدل بالأدلة في المسائل الفقهية، بل المفسر يحتاج أيضًا إلى الأدلة والاستدلال بها، وكذلك من يبحث في المسائل العقدية، وهكذا.
فلما كان كل ذلك قيامه وإثباته وصوابه راجعًا للأدلة وما فُهِم منها، علم بذلك أهمية علم أصول الفقه وشدة تأثيره وارتباطه بالعلوم الأخرى؛ حيث إنه هو العلم الذي يضبط التعامل مع الأدلة، بل إن الدليل هو موضوع أصول الفقه، فكل من يتعامل مع الأدلة لا بد إذًا من علمه بعلم أصول الفقه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٩/ ١٧٣).
(٢) تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي القاسم ابن جزى الكلبي (١٣٧).
[ ١ / ١٥٩ ]
ومما سبق يُعلَم أن المتبادر لأذهان البعض أن أصول الفقه تقتصر فائدته على علم الفقه فقط بسبب إضافة الأصول إلى الفقه في تسمية هذا العلم فهو فهم خاطئ.
نعم. الفائدة الكبرى منه تظهر في علم الفقه لسعته، وكثرة مسائلة ومستجداته، وكثرة الاجتهاد فيه، ونحو هذا، لكن هذا لا يعني أنه أصول للفقه فقط دون غيره من العلوم، بل هو كما سبق بيانه آنفًا أصلٌ للعلوم الشرعية، والمعين على فهم النصوص من الكتاب والسنة.
[ ١ / ١٦٠ ]