بدأ الباقلاني كتابه التقريب بمقدمات، هي بمثابة حدود لاصطلاحات هذا الفن، فعرف علم الأصول وحقيقته.
ثم ذكر بعض الحدود: حد العلم وحقيقته، وحد العقل، وأقسام العلوم، وغير ذلك.
ثم حصر أصول الفقه ورتبها فقال: اعلموا أنَّ أصول الفقه محصورة:
فأولها: الخطاب الوارد في الكتاب والسنة.
[ ١ / ١٠١ ]
ثانيها: الكلام في حكم أفعال الرسول ﷺ.
ثالثها: القول في الأخبار وطرقها وأقسامها.
رابعها: بعض الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ، وهي أخبار الآحاد الواردة بشروط قبولها في الأحكام.
خامسها: الإجماع.
سادسها: القياس.
سابعها: صفة المفتي والمستفتي والقول في التقليد.
ثامنها: الحظر والإباحة.
ثم قال: ولهذه الأصول لواحق تتصل بها، وليست منها.
قال: وقد دخل في الخطاب الأمر والنهي، والخصوص والعموم، ودخل فيه الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، ولحن الخطاب، ومفهومه وفحواه.
ودخل فيه دليل الخطاب، ومراتب البيان.
والواجب عندنا في الترتيب تقديم الخطاب الوارد في الكتاب والسنة (^١) اه.
_________________
(١) التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ٣١٠ - ٣١١) بتصرف.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقد لخص إمام الحرمين الجويني كتاب التقريب والإرشاد في كتاب سماه التلخيص، وعمد فيه إلى اختيار أصول المسائل، وشيء من الأدلة والترجيح، وهو مطبوع في مجلدين، وكان شديد التأثر به.
ويعد القرن الخامس والسادس المرحلة الذهبية للتدوين في علم الأصول، فصنفت فيه أمهات كتب الأصول، ومراجعه الكبار، وأصوله المعتمدة في الفقه.
فشهدت هذه المرحلة نضوج علم الأصول، والتدوين المتكامل فيه الذي يشمل أبواب الأصول مرتبة ترتيبًا منطقيًّا منهجيًّا، وإخراج كتب تتناول علم الأصول من أوله إلى آخره.
ودونت فيها الكتب الأربعة التي تعد أركان علم أصول الفقه عند المتخصصين، فهذه الكتب كانت نتاج هذه المرحلة.
١ - العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفى سنة (٤١٥ هـ).
٢ - المعتمد لأبي الحسين القاضي البصري المعتزلي المتوفى سنة (٤٣٦ هـ).
٣ - البرهان لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سنة (٤٧٨ هـ).
[ ١ / ١٠٣ ]
٤ - المستصفى لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة (٥٠٥ هـ).
فألفوا هذه الكتب على وجه الشمول في أبواب الأصول، فيجمع الأقوال، ويورد الأدلة، ويجمع الخلاف، ويناقش، ويرجح، ويخرج برأي.
فهذه كتب موسوعية في علم الأصول.
وامتازت هذه الكتب بميزات:
١ - تناول المسائل الأصولية بشمول.
٢ - تناول المذاهب المختلفة حول المسألة الواحدة.
٣ - إيراد الأدلة لكل مذهب مع مناقشتها.
٤ - ترجيح مذهبه فيما يراه راجحًا، ولو خرج عن حدود مذهبه الفقهي.
ومن نافلة القول أنَّ الأربعة كانوا شافعية.
وهذه الكتب الأربعة لا تشبه بعضها، فلكل واحدة طريقة وترتيب يختلف عن الآخر.
[ ١ / ١٠٤ ]
١ - العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي.
المتواجد منه بين أيدينا جزء يسير والباقي مفقود، وقد شرح تلميذه أبو الحسن جزءًا منه سماه (شرح العمد) مطبوع.
٢ - المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي.
اختط فيه أبو الحسين ترتيبًا جديدًا لمادة أصول الفقه، وتجنب فيه التكرار الذي وقع في العمد، فحذف بعض المسائل التي ليست من صميم علم الأصول، وأضاف بعض المسائل التي لم يشتمل عليها العمد، وقد طبع الكتاب في مجلدين.
فهو كتاب مستقل، وليس شرحًا للعمد، كما وهم ابن خلدون في مقدمته.
وقد وهم أيضًا من ظن أن المعتمد مختصر للعمد، والناظر في الكتابين يجد فرقًا واضحًا جليَّا، كما أنَّ القاضي أبا الحسين صرح في مقدمة المعتمد أنَّ المعتمد يغاير العمد في ترتيب أبوابه ومسائله، وفيه زيادة ونقص (^١).
_________________
(١) شرح العمد (١/ ١٧).
[ ١ / ١٠٥ ]
٣ - البرهان لإمام الحرمين الجويني:
صنف إمام الحرمين كتابه بطريقة مختلفة، وعرف المسائل الأصولية بشمول واستيعاب.
فقال السبكي: إن هذا الكتاب وضعه إمام الحرمين في أصول الفقه على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد.
وإمام الحرمين كان صاحب لغة وفصاحة، وبلغ من الفصاحة أنَّ ألفاظه تستعصي على طالب العلم إلا بالرجوع إلى المعاجم.
وهذه اللغة كانت أحد الأسباب التي صرفت عن الاشتغال بالبرهان لصعوبة ألفاظه.
وسبب آخر أدى إلى عدم انتشار البرهان؛ هو مخالفة الجويني لكثير من أصول الشافعية في ترجيحاته، فلذلك لم يشتغل به الشافعية.
لذلك نجد أنَّ كل من شرح البرهان مالكية، رغم أنَّ الجويني شافعي المذهب، فالله أعلم.