يمتاز كتاب البرهان بتلك المقدمات، فقدم بتعريف أصول الفقه، وبيان مصادره، والمقصود منه.
ثم يتبع ذلك بمقدمات أخرى، فيعرف الأحكام الشرعية، ويناقش
[ ١ / ١٠٦ ]
المعتزلة في بعض شبههم التي تتصل بأصول الفقه كالتحسين والتقبيح.
ثم يعرض لشكر المنعم ووجوبه مناقشًا المعتزلة، مبينًا فساد مذهبهم حيث صاروا إلى وجوبه بالعقل.
ثم يعرض للنظر وحقيقته، والتكليف ومعناه، والقول في العلوم ومداركها، والقول في مدارك العقول.
ثم ينتقل إلى تعريف العلم وما يتعلق به.
وبعد هذه المقدمات ينتقل إلى أصول الفقه وأدلته.
فيبدأ بالبيان، ويعني بالبيان الكتاب والسنة، وفي هذا القسم يعرض تفصيلًا لمسائل الأوامر والنواهي، والمطلق والمقيد، والعام والخاص.
ثم يتحدث عن أفعال الرسول وحجيتها، وطرق التأويل، ثم يتكلم عن الأخبار، وشروط الخبر المتواتر، وما يفيده خبر الواحد من وجوب العمل، والرواية والرواة وصفاتهم، والجرح والتعديل، والتحمل والأداء.
ثانيًا: الإجماع وما يتعلق به من مسائل.
ثالثًا: القياس وما يتعلق به من مسائل.
رابعًا: القول في الاستدلال، وفيه يعرض للآراء في الأخذ
[ ١ / ١٠٧ ]
بالاستحسان والمصالح المرسلة.
خامسًا: القول في النسخ (^١) اه.
٤ - المستصفى للغزالي:
كان الغزالي وكتابه المستصفى أيضًا معلمًا مستقلًّا في التأليف الأصولي، خالف شيخه الجويني في الترتيب والتبويب، وخالفه في الترجيح في المسائل.
فقال: اعلم أنَّ هذا الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في هذا الكتاب، وبنيناه على مقدمة، وأربعة أقطاب، المقدمة لها كالتوطئة والتمهيد، والأقطاب هي المشتملة على الباب المقصود (^٢).
ثم ذكر في صدر الكتاب: التعريف بعلم أصول الفقه وما يتعلق به.
وهو أول من أدخل المقدمة المنطقية على علم أصول الفقه، وهذه الأقطاب الأربعة التي تدور عليها جملة الأصول كما قال:
القطب الأول: في الأحكام والبداءة بها أولى؛ لأنها الثمرة المطلوبة.
القطب الثاني: في الأدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وبها
_________________
(١) البرهان للجويني (١/ ٤١ - ٥٠) بتصرف.
(٢) المستصفى للغزالي (١/ ٦).
[ ١ / ١٠٨ ]
التثنية؛ إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر.
القطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهي وجه دلالة الأدلة، وهي أربعة:
دلالة بالمنطوق، دلالة بالمفهوم، دلالة بالضرورة والاقتضاء، دلالة بالمعنى المعقول.
القطب الرابع: في المستثمر، وهو المجتهد الذي يحكم بظنه، ويقابله المقلد الذي يلزمه اتباعه، فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما (^١).
وقد اعتبر المتخصصون في هذا الفن هذه الكتب الأربعة عمدًا وأركانًا وأمهات لهذا العلم.
فالتأليف الأصولي فيما بعد هذه المرحلة كان متأثرًا لحد كبير بهذه الكتب، فإما أن يحذوا حذوها، أو يشرحها، أو يجعلها أصلًا يعتمد عليه، وإما أن يتبع طريقتها في الترتيب.
ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه التصانيف خالفت في طريقتها ومنهجها طريقة ومنهج الشافعي في كتابه الرسالة رغم انتمائهم للمذهب الشافعي.
_________________
(١) المستصفى للغزالي (١/ ١٠).
[ ١ / ١٠٩ ]
فأدخلوا على علم الأصول مسائل ليست من صلب علم الأصول، فأدخلوا علم الكلام، ومسائل الاعتقاد، والمقدمات المنطقية على علم الأصول.
ولكن كان هناك من العلماء الذين لم يتأثروا بعلم الكلام، وانحرافات العقيدة، فكانوا على هدي السلف الصالح وطريقتهم؛ فنقوا علم الأصول مما شابهُ من المباحث الكلامية والمنطقية، وعادوا به مرة أخرى غضًّا طريًّا كما صنف فيه الإمام الشافعي ﵀.
ومن هؤلاء:
١ - القاضي أبو الوليد الباجي المتوفى سنة (٤٧٤ هـ)، صنف كتاب الإشارة في معرفة الأصول.
٢ - أبو اسحاق الشيرازي المتوفى سنة (٤٧٦ هـ) في كتابه اللمع.
٣ - أبو المظفر السمعاني المتوفى سنة (٤٨٩ هـ) في كتابه القواطع.
وقد أثنى على كتاب القواطع أهل العلم.
وقال تاج الدين السبكي: ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع (^١).
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٣٤٣).
[ ١ / ١١٠ ]
وقال الزركشي: والقواطع لأبي المظفر السمعاني، وهو أجل كتاب للشافعية في أصول الفقه نقلًا وحجاجًا (^١). وكان أبو المظفر السمعاني أحد أئمة أهل السنة من أصحاب الشافعي (^٢).
وقال الذهبي: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة (^٣).
• وقد أفصح أبو المظفر عن دافعه في تصنيف القواطع، فذكر سببين:
الأول: طلب جماعة من أصحابه منه أن يؤلف مجموعًا في أصول الفقه.
الثاني: قصور كتب الأصحاب عن معاني الفقه، وانتهاجها في الأصول سبيل المتكلمين.
• مميزات كتاب القواطع:
١ - توسعه في ذكر المسائل والدلائل، وإيضاحه للحق بأقوى البراهين وتفنيد شبهات المخالفين.
٢ - سهولة عبارته، وعذوبة ألفاظه، وبُعده عن التقعر والتشدق في
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي (١/ ١١).
(٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٤٣).
(٣) سيرأعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ١٣).
[ ١ / ١١١ ]
الكلام.
٣ - خلو كتابه من المباحث الكلامية التي امتلأت بها كتب أصول المعتزلة والأشاعرة التي لا شأن لها بالأصول أو الفقه.
٤ - انتقاده الشديد لطريقة المتكلمين، ونقد مسالكهم، والتحذير من تبعاتها، فهو سني العقيدة، والمنهج، والطريقة.
٥ - توسعه وتفرده بذكر مسائل أغفلت في عامة كتب الأصول.
٦ - الصنعة الحديثية، فغالب الأحاديث التي يستدل بها صحيحة أو حسنة (^١).
ورغم هذه الميزات تجد تجاهل الأصوليين اللاحقين -وجلهم من المتكلمين- لكتاب القواطع ومؤلفه، فلا تجد له ذكر في كتب كالإحكام، والمحصول، وغيرها من الكتب المتأخرة.
وظل الأمر على هذا الحال إلى أن جاء تاج الدين السبكي في القرن الثامن الهجري، فكان أول من اكتشف كتاب القواطع، فنفض عنه غبار الإهمال، وأكثر من النقل عنه، والثناء على أبحاثه في شرحه لمختصر ابن الحاجب.
_________________
(١) قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني (١/ ٤٦) بتصرف.
[ ١ / ١١٢ ]
وضمن كثير من اختياراته مختصره الشهير في الأصول كتاب (جمع الجوامع).
فهذه المصنفات امتازت بالتزامها طريقة الشافعي في التصنيف، في إيراد مباحث الأصول المتعلقة بالفقه، وخلوها من المباحث الكلامية والمنطقية؛ وذلك لاشتغال أصحابها واهتمامهم بالفقه والحديث.