_________________
(١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٨٨)، مختصر التحرير (٤٩).
[ ١ / ١٧١ ]
١) تأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، مثال: أتى محمدٌ وعلىٌّ، فهنا اشترك المتعاطفان في الحكم وهو الإتيان.
٢) ومن أحكامها أنها لا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، فالواو لا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل، فاقتضاؤها الترتيب مثل قوله ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (^١)، ففى قوله ﵊: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، الواو تفيد الترتيب؛ لأنه لابد من الجلد قبل الرجم، وإلا فلا فائدة من الجلد بعد الموت.
وقول النبي ﷺ: «بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة … الحديث» (^٢)، فالواو هنا تقتضى الترتيب بدليل خارج، فلا بد من الشهادة قبل العمل.
وكذلك في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦ [٢١]) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
[ ١ / ١٧٢ ]
وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، فلابد من الكفر أولًا، ثم الموت عليه؛ فيترتب على ذلك الجزاء الوارد في الآية.
ومنافاتها الترتيب مثل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣]، هنا تنافى الترتيب؛ لقوله: من قبلك.
وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، هنا تنافي الترتيب بدليل أن الحياة قبل الموت.
ولما سُئل ﷺ عن الرجل يجامع ولم ينزل، قال: «توضأ واغسل ذكرك»، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نم» (^١)، فهنا الواو تنافي الترتيب، وعن علي قال: «كنت رجلًا مذاءًا، فقال لي رسول الله: إذا رأيت المذى فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل» (^٢)، وهنا تقتضي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٠)، ومسلم (٣٠٦ [٢٥]) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣ [١٧])، (٣٠٣ [١٩])، واللفظ له من حديث علي مرفوعًا.
[ ١ / ١٧٣ ]
الترتيب.
تنبيه: مع أنَّ الواو لا تقتضى الترتيب ولا تنافيه، ولكن لابد للتقديم والتأخير من سبب ومن ذلك:
١ - التقديم قد يكون للأفضلية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤].
٢ - التقديم للأهمية، مثل قوله ﵊: «إياكُم والجلوسَ في الطُّرُقات»، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدّ نتحدَّث فيها. فقال رسولُ الله ﷺ: «فإِذا أَبيتُم إِلا المجلسَ فَأعْطُوا الطريقَ حقَّهُ»، قالوا: وَمَا حَقُّ الطريق يا رسولَ الله؟ قال: «غَضُّ البصرِ، وكَفُّ الأَذَى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ» (^١).
٣ - التقديم للخطورة، مثل قوله ﵊: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (^٢).
٤ - التقديم للسهولة، مثل قوله ﵊: «ليدخلنَّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين، أو مثل أحد الحيين ربيعة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٧٤) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا.
[ ١ / ١٧٤ ]
ومضر» (^١).
٣) ومن أحكامها: أنها لا تقتضى التسوية إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فلا يلزم أن تقسم بالتساوي، ولكن تفيد الاشتراك في الحكم فله أن يأكل منها، ويهدي، ويتصدق، ولكن لا تفيد التسوية في المقدار إلا إذا دل الدليل على التسوية، ولا دليل هنا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ …﴾ [التوبة: ٦٠] فإنها لا تقتضي التسوية بين مصارف الزكاة.
٤) ومن أحكامها: أنها لا تنقل الحكم، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهذا لا يعنى أنَّ العمرة حكمها حكم الحج، فهذا واجب وهذه مستحبة عند من قال بالاستحباب.
ومن الاستدلال بذلك: استدلال بعض الأحناف على حرمة أكل الخيل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، لأنَّ الخيل عطف على البغال والحمير، وحكم أكل البغال
_________________
(١) حسن لطريقيه: أخرجه أحمد (٢٢٢٥٠) من حديث أبي أمامة، وفيه راو لين، وله متابعة عند الطبراني في «الكبير» (٨٠٥٨)، وفيه عنعنة مدلس.
[ ١ / ١٧٥ ]
والحمير حرام؛ إذن فحكم أكل الخيل حرام.
والصحيح: أنَّ الواو لا تنقل الحكم؛ لأن النبي ﷺ أحل أكل لحوم الخيل فمن حكم بحرمة أكل لحوم الخيل لعطفها على ما حرم أكله بدلالة الاقتران، فقوله غير صحيح؛ لأنَّ الواو لا تنقل الحكم، ولكنها تفيد التشريك في الحكم وهو الركوب والزينة، وكذلك دلالة الاقتران ضعيفة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والدليل على إباحة أكل لحوم الخيل، عن جابر قال: نهى النبي يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في الخيل (^١).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فالواو هنا تفيد التشريك في أنَّ الجميع رجس، لكن حكم الخمر ليس كحكم الميسر، وليس كحكم الأزلام، فالأزلام كفر، والخمر والميسر من الكبائر.
ملحوظة:
الواو قد تأتي بمعاني أخر غير العطف والتشريك في الحكم.
فقد تأتي بمعنى (مع)، فتفيد المعية مثل: سرت والنهر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢١٩)، ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا.
[ ١ / ١٧٦ ]
وتأتي بمعنى (أو)، مثل قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١].
وقد تفيد القسم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢].
وتأتي تفيد الاستئناف، مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٥، ٦٦]، وعير ذلك.