الحالة العلمية
تَزْدان الحياة العلمية في أيِّ عصرٍ وتزدهر بمقدار كثرة المدارس المنتشرة، والخِزَانات العامرة بالكتب الوفيرة، وبزيادة الحوافز المبذولة لطالبي العلم والراغبين فيه.
والحالة العلمية لم تُحَاكِ الحالةَ السياسية المضطربة، بل ظلَّتْ ناميةً مزدهرةً، فبعد أن كانت بغداد - عاصمة الخلافة العباسية - مَحَطَّ العلماء من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ إلا أن إمامتها للعلماء انحسرت بعد سقوطها على أيدي التتار.
وأخذت دمشق والقاهرة تتنازعان الرئاسة العلمية، وصارتا موئل العلماء، غير أن كفَّة مصر رجحت حين تكاثر وفود العلماء إليها نتيجةً لتعرض الشام إلى الغزو الصليبي والتتري.
وكان من أسباب النهضة العلمية في مصر أيضًا أن الدولة الفاطمية (العبيدية) سعتْ حثيثًا إلى بناء المدارس، وتعليم المذهب الرافضي وفَرْضِه على الناس، ثم جاء صلاح الدين الأيوبي من بعدهم، فأنشأ المدارس السُّنِّية، وسعى إلى اجتثاث جذور المذهب الباطني الذي زرعته الدولة الفاطمية (العبيدية)، وهكذا تتابع الملوك من بعده، ولاقى العلماء كل تشجيعٍ وإكرامٍ، وهكذا كان الأمر في عهد الدولة المملوكية.
ويلاحظ هنا أن بعض الكاتبين في تاريخ التشريع الإسلامي يصفون هذه الفترة الزمنية، والطور التاريخي بأنها فترة الجمود والتقليد، والهرم والشيخوخة (١) .
وفي تقديري إن هذا الحكم فيه مجافاة للواقع، وبُعْد عن الإنصاف، فلم يَخْلُ زمان من مجدِّدين يُحْيُون ما اندرس من علوم الشريعة، ويستنهضون همم الناس نحوها، وإن صَحَّتْ هذه المقولة في علم الفقه فلا تصحُّ في علم أصول الفقه، قال الشيخ محمد أبو زهرة (٢): «هذا العلم الذي غرس غرسه الإمام الشافعي ﵀ لم يَضْعف من بعده،
_________________
(١) انظر: على سبيل المثال: تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ / محمد الخضري ص ٢٤٨، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي ٢/ ١٨٩.
(٢) هو محمد بن أبو زهرة، من علماء الشريعة، وعضو المجلس الأعلى للبحوث العلمية، ووكيل كلية الحقوق بجامعة القاهرة. له أربعون مؤلَّفًا، منها: أصول الفقه (ط)، تاريخ الجدل في الإسلام (ط)، وكتب أخرى عن الأئمة الأعلام. ت ١٣٩٤ هـ. انظر الأعلام للزركلي ٦ / ٢٥، أصول الفقه تاريخه ورجاله لشيخنا الدكتور / شعبان محمد إسماعيل ص ٦٤٧.
[ ١ / ٢٥ ]
حتى في عصور التقليد التي أَغْلقتْ فيها باب الاجتهاد، بل نما وترعرع. . . وكأن الفقهاء إذْ قيَّدوا أنفسهم في الفروع، قد اطلقوا لها الحرية في الأصول » (١) .
وقد نبغ في هذا العصر - السابع الهجري - أساطين من العلماء، الذين
طَبَّقتْ شهرتهم الآفاق، وأَثرَوا بتصانيفهم الفريدة المكتبات، حتى غَدَتْ مَفْزعًا
لنَاهِليِ علوم الشريعة وغيرها، فمنهم: الإمام فخر الدين الرازي (٢)، وموفق الدين
ابن قُدَامة المقدسي (٣)، وسيف الدين الآمدي (٤)، وتقي الدين أبو عمرو
ابن الصَّلاح (٥)، وأبو عمرو ابن الحاجب المالكي، والحافظ المنذري (٦)، والعز بن عبد السلام، وابن مالك النحوي الأندلسي (٧)، والإمام النووي (٨) والقاضي البيضاوي (٩)،
_________________
(١) انظر: كتابه: " الشافعي " عهده آراؤه وفقهه ص ٣٠٩.
(٢) انظر ترجمته في: القسم التحقيقي ص ٤.
(٣) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، موفق الدين الدمشقي الحنبلي، كان إمامًا في علوم كثيرة خاصةً الفقه والأصول والخلاف، وله كتاب: المغني في الفقه (ط) وروضة الناظر في أصول الفقه (ط) وغيرهما. توفي سنة ٦٢٠هـ، انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ١٣٣
(٤) انظر ترجمته في: القسم التحقيقي ص ٢١.
(٥) هو عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرَزُوري الشافعي، المفتي والمفسر والأصولي واللغوي، وله آراء أصولية مبثوثة في مؤلفاته، منها: فتاوى ومسائل ابن الصلاح (ط)، والمفتي والمستفتي (ط)، مقدمته الشهيرة في مصطلح علوم الحديث (ط) . توفي سنة ٦٤٣هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٨ / ٣٢٦
(٦) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ المصنف ص ٣٩ من القسم الدراسي.
(٧) هو جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجياني، إمام زمانه في العربية، كان عالمًا بالقراءات. له مؤلفات شهيرة منها: التسهيل وشرحه (ط)، الخلاصة وهي المشهورة بألفية ابن مالك في النحو (ط) . توفي سنة ٦٧٢هـ. انظر: بغية الوعاة للسيوطي ١ / ١٣٠
(٨) هو الحافظ محي الدين أبو زكريا يحيي بن شرف النووي، الفقيه الشافعي والمحدث، صاحب التصانيف النافعة، مثل: شرح صحيح مسلم (ط)، المجموع شرح المهذب (ط) رياض الصالحين (ط) . انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٥ / ١٦٥
(٩) هو عبد الله بن عمر بن محمد، المعروف بالقاضي البيضاوي، كان إمامًا عابدًا فقيهًا أصوليًا مفسرًا متكلمًا، له قدم راسخة في التأليف، منها: منهاج الوصول (ط)، أنوار التنزيل (ط) . توفي سنة ٦٨٥هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٨ / ١٥٧
[ ١ / ٢٦ ]
ابن دقيق العيد (١)، وغيرهم كثير.
ومن مؤيدات نهضة الحالة العلمية في هذا العصر: أن حركة التأليف والتدريس كانت نشطة، ووقع التنافس في بناء دور المدارس العلمية، ولعل من المفيد أن نعرِّج على أهم المدارس التي كان للقرافي اتصالٌ بها، فمنها: