مولده ونشأته
* تاريخ ولادته:
كانت ولادته ونشأته بمصر سنة ٦٢٦هـ، كما صرح بذلك بنفسه في كتابه
" العقد المنظوم " (١ / ٥٥٠)، إذْ قال: «ونشأتي ومولدي بمصر سنة ست وعشرين وستمائة» (١) .
* مكان ولادته:
ولد في قرية " بُوش " من صعيد مصر الأسفل غربي النيل (٢)، وتعرف أيضًا
بـ" بَهْفَشَيْم " (٣) من أعمال البَهَنْسَا، ولذلك عُرِف بالبَهْفَشِيمي البَهَنْسي (٤) .
* نشأته:
لم تُنْبئنا كتب التاريخ شيئًا ذا بالٍ مما يتعلَّق بنشأة الشهاب القرافي، غير أنه ينحدر من أصولٍ مغربية من قبيلة صنهاجة. ولعلَّ نزوح أسرته إلى أرض مصر كان في عهد والده أو قبل ذلك بقليل. ومما يؤكد حداثة هذا النزوح ثبات حفظ القرافي لكثير من أسماء القبائل المغربية، مما يدل على قرب عهد أسرته بها (٥) . كما أن والده كُني بأبي العُلَى، ونُعِت بالشيخ الأجلّ (٦)، مما يشير إلى أن والد القرافي رحل إلى مصر رحلة علمية حتى اكتسب هذا الإجلال والتعظيم.
_________________
(١) وهكذا توارد النقل عنه في: كشف الظنون ٢ / ١١٥٣، هدية العارفين ١ / ٩٠.
(٢) انظر: معجم البلدان للحموي ١ / ٥٠٨، الوافي بالوفيات ٦/٢٣٣.
(٣) هكذا في: الوافي بالوفيات ٦ / ٢٣٣، بينما في: المنهل الصافي ١ / ٢١٥ " بَهَبْشِيْم ".
(٤) انظر: الديباج المذهب ص ١٢٨، حسن المحاضرة ١ / ٣١٦.
(٥) منها: صنهاجة، وهنتاتة، وزناتة، ودكالة، وغمارة، ومغراوة، وهيجانة، وهشكورة، وكدميولة، وبرغواطة، وهزميزة، ولمطة، وهرعة، ورباح. . . وغيرها كثير. انظر: العقد المنظوم للقرافي ١ / ٥٥١.
(٦) جاء في مقدمة كتاب ترتيب الفروق واختصارها لتلميذ القرافي أبي عبد الله محمد البقوري ١ / ١٩ «وبعد: فإني لما وقفتُ على الفروق التي لشيخنا الأجل، الإمام الأفضل، العالم العَلَم المشارك شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ الأجل المرحوم أبي العُلَى إدريس القرافي. . .» .
[ ١ / ٣١ ]
وكانت مصر معقل العلم وموئل العلماء، حتى قال ابن خلدون (١): «ونحن لهذا العهد، نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر» (٢) .
وكانت القاهرة تعجُّ بالمساجد والمدارس ودور العلم، وبهذا تهيأت للشهاب القرافي منذ نعومة أظفاره فرصة تلقي العلم. فقد ذكرت بعض كتب التراجم بأن القرافي كان طالبًا بالمدرسة الصاحبية، وكان يُعطى له من ريع وَقْفها، وفي مرةٍ لم يكن حاضرًا، فلم يُعْرف اسمه، فكتب الشخص المسؤول عن حصر الغياب ونحوه اسمه بأنه " القرافي "؛ لأنه كان يأتي من تلك الجهة (٣) . فهذا يعني أنه كان طالبًا في هذه المدرسة، وكانت تجري عليه أرزاقها.
ومما يُسجَّل في طَوْر النشأة العلمية للقرافي شدة ملازمته لشيخه الجليل العز بن
عبد السلام منذ وطئت قدماه أرض مصر عام ٦٣٩ هـ، وكان القرافي وقتذاك في الثالثة عشرة من عمره، فقد لازمه حتى توفي شيخه ﵀ عام ٦٦٠ هـ.
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، فيلسوف مؤرخ، عالم بالاجتماع، فقيه مالكي، رحل إلى عدة بلدان تولَّى القضاء في مصر وتوفي بها، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر. . . (تاريخ ابن خلدون) (ط)، رسالة في المنطق، ملخص المحصول للرازي، وغيرها. ت ٨٠٨ هـ. انظر: الابتهاج ص ١٧، الضوء اللامع ٤ / ١٤٥.
(٢) مقدمة ابن خلدون ٣ / ١٠٢٥.
(٣) انظر: الوافي بالوفيات ٦ / ٢٣٣، المنهل الصافي ١ / ٢١٥، تاريخ الإسلام للذهبي ص ١٧٦.
[ ١ / ٣٢ ]