كانت طريقة الأوائل في مقدمات تآليفهم أن يضبطوا مقالاتِ الكتاب وأبوابَه بحيث يقف الناظر من مقدمة الكتاب على ما في أثنائه من تفاصيله.
فكل علمٍ لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومبانيه (١) .
وكتاب شرح تنقيح الفصول للقرافي لم ينوِّه صاحبه ﵀ في مطلع كتابه إلى موضوعات الكتاب ومضامينه سوى أنه وشَّحه بقواعد جليلة وفوائد جميلة (٢) .
بَيْد أنه صرَّح في كتابه المتن: " تنقيح الفصول " بأنه نَظَم مباحث الأصول في عشرين بابًا تندرج تحتها مائة فصل وفصلان (٣)، وسبق لي سرد هذه الأبواب إجمالًا في المبحث الأول من هذا الفصل (٤) .
ولعلَّ السرَّ الكامن وراء ترك القرافي تسمية هذه الأبواب والفصول في المقدمة هو كون الكتاب مختصرًا، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى كونه تابعًا إلى حدٍّ كبير ترتيب وتبويب المحصول للرازي.
قال الطوفي: ﵀ بعد أن عدد موضوعات تنقيح القرافي: «وهو قريب من الترتيب قبله (وهو المحصول) ومقتضب منه، وهو (أي القرافي) كثيرًا ما يَأْتمُّ بالإمام أبي عبد الله الرازي فيما يصحُّ عنده، على جهة التأدب والاعتراف بالفضيلة» (٥) .
هذا، وليس القصد من وراء هذا المبحث عرض ما حواه هذا القسم الثالث من الكتاب من مباحث تفصيلية ومسائل جزئية؛ لأن هذا موضعه في فهارس الكتاب.
_________________
(١) انظر: المستصفى ١ / ٣٤، شرح مختصر الروضة ١ / ٩٨.
(٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص ٢.
(٣) انظر هذا المتن في مقدمة الذخيرة ١ / ٥٥.
(٤) انظر: ص ٦٧- ٦٩
(٥) انظر: شرح مختصر الروضة ١ / ١٠٥.
[ ١ / ٨٦ ]
وإنما المراد إعطاء القاريء تصوّرًا إجماليًا عن الموضوعات الرئيسية التي حفل بها هذا القسم، ومدى أهميّته في أصول الفقه.
وبنظرةٍ فاحصة شمولية إلى موضوعات الكتاب أمكن تثليثه إلى ثلاثة أجزاء:
القسم الأول (١): يشتمل على التعريفات والحدود والاصطلاحات، والأحكام التكليفية والوضعية التي يُفْتقر إليها في أصول الفقه. وهذه موضوعات تعتبر بمثابة الإرهاصة والتقْدِمة لدراسة الأصول. وهو يبدأ من الباب الأول، وينتهي بنهاية الباب الثالث.
القسم الثاني (٢): يشمل دلالات الألفاظ من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبيّن، والمفاهيم. . . وهو يبدأ بالباب الرابع، وينتهي بالباب الثاني عشر. وهذه الموضوعات تعتبر ركيزة العمل الأصولي، فالأصوليون خاضوا معترك الدلالات باعتبارها طرق استثمار أدلة الأحكام الشرعية، وميدان الاجتهاد البياني.
وأما القسم الثالث: فلقد حفل بأهم موضوعات الأصول، التي هي أساس استنباط الأحكام الشرعية، وينبوع التفاريع الفقهية، فأتت موضوعاته على النحو التالي: أفعال النبي - ﷺ -، والنسخ، والإجماع، والخبر، والقياس، والتعارض والترجيح، والاجتهاد، والتقليد والفتوى، والأدلة المختلف في الاحتجاج بها.
وهذه المواد تشغل حيزًا كبيرًا من كتب الأصول، بل هي لبُّه وأساسه. وناهيك بمبحث القياس وما يكتنفه من وعورة وعمقٍ عن غيره من المباحث، إليه المَفْزع إذا فُقِدتْ نصوص الشرائع، وظُنَّ ضيقُ المسالك وانسداد الذرائع.
إذا أعْيا الفقيهَ وجودُ نصٍ تعلَّق لا محالةَ بالقياس (٣)
ثم إن النظر في الأدلة من اختصاص المجتهد، فلابد من معرفة مؤهلاته وصفاته وشرائطه ومسالكه في درء التعارض الواقع بين الأدلة والتراجيح بينها.
تلكم هي الخطوط العريضة لمضامين هذا الجزء أو القسم من هذا الكتاب الذي قمت بتحقيقه ودراسته.
_________________
(١) تكفَّل أخي وصديقي المبارك / سعيد بن عفيف بتحقيقه ودراسته.
(٢) اشتغل بتحقيقه أخي وصديقي الفاضل / حسن بن إبراهيم بن خلوفة.
(٣) لم أقف على قائله، لكني وجدته في كتاب: التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين لابن السِّيد البطليوسي ص ٢١٣.
[ ١ / ٨٧ ]