لم يُعْنَ المؤلف - عفا الله عنه - بتخريج الأحاديث بتاتًا، ولا ببيان درجتها، وفي الأعم الأغلب يرويها بالمعنى دون ألفاظها، ويبدو أن القرافي - فيما يظهر لي - بضاعته في الحديث مزجاة، وليس من أهل هذه الصنعة. وإليك أمثلةً تثبت ذلك.
(١) إيراده في استشهاداته أحاديث ضعيفة أو ضعيفة جدًا أو لا أصل لها،
مثل: - حديث: «أمرت أن أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر» . لا أصل له، وكثيرًا ما يلهج به الأصوليون وربما كان من كلام الإمام الشافعي ﵀ (٥) .
- حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» . جلُّ المحققين والنقَّاد من أهل الحديث على تضعيفه أو تكذيبه (٦) .
_________________
(١) هكذا جاء نص المؤلف في جميع المخطوطات ما عدا نسخة " ش " أثبت ناسخها مكانها آية (٨٩) من سورة المائدة، والنسخة المطبوعة أثبت فيها آية (٩٥) من المائدة. وقد نبه الشوشاوي على أن ذلك وقع سهوًا وغفلة من المصنف. انظر: رفع النقاب القسم ١ / ٨٤٢.
(٢) انظر: القسم التحقيقي ص (٥١) مع التعليق (٤) .
(٣) انظر: القسم التحقيقي ص (٢٤١) مع التعليق (٩) .
(٤) انظر الموضع الثالث: ص٤٤٣ هامش (٨) من القسم التحقيقي.
(٥) انظر الحديث وتخريجه ص ١٤٤ هامش (١٠) من القسم التحقيقي.
(٦) انظره في: ص ١٣٩ هامش (٢) من القسم التحقيقي.
[ ١ / ١٥٨ ]
- حديث: «الحزم سوء الظن» . لا يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا، وإنما صحَّ مقطوعًا (١) .
- حديث: «عليكم بالسواد الأعظم» . ضعيف (٢) .
- حديث: «إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه» . هذا الحديث وضعته الزنادقة، وقد عرضناه على كتاب الله فخالفه، فهو مردودٌ بحمد الله (٣) .
- حديث: «تعمل هذه الأمة برهةً بالكتاب، وبرهةً بالسنة، وبرهةً بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا» . وهو حديث ضعيف، لا تقوم به حجة (٤) .
(٢) قلة العناية بألفاظ الأحاديث، مع أن تقييدها بألفاظها أمر لا يُعْجز من أراده فمثلًا:
- روى حديث عائشة - ﵂ - في نسخ عشر رضعات بالمعنى، وهو في صحيح مسلم (٥) .
- حديث: «لا تقتلوا الصبيان» . لم أجده بهذا اللفظ على كثرة ما وقفت عليه (٦) .
- حديث: «لا تجتمع أمتي على خطأ» . ليس هكذا في دواوين السنة بل فيها لفظ «ضلالة» (٧) .
- حديث: «أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء ثم مجَجْته، أكنتَ شاربه؟!» لم أجده بهذا اللفظ فيما وقفت عليه (٨) .
_________________
(١) انظر الكلام عليه في: ص ٢٤٧ هامش (٧) من القسم التحقيقي.
(٢) انظره في: ص ١٦٣ هامش (١١) من القسم التحقيقي.
(٣) انظر الحديث والتعليق عليه ص ٢٦٢ هامش (٢) من القسم التحقيقي.
(٤) انظر: ص ٣٠٩ وهامش (٢) من القسم التحقيقي.
(٥) انظر: ص ٧٥ هامش (١٠) من القسم التحقيقي.
(٦) انظر: ص ٤١٦، هامش (٢) من القسم التحقيقي.
(٧) انظر: ص ٩٥ هامش (٢) من القسم التحقيقي.
(٨) انظر: ص ٣٠٨ هامش (٢) من القسم التحقيقي.
[ ١ / ١٥٩ ]
- حديث: «لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» . لم أجده بهذا اللفظ، وإنما بلفظ «مثل أحُدٍ ذهبًا» (١) .
(٣) وقوع التلفيق بين بعض الأحاديث، ولعلها كُتبتْ من ذاكرة المؤلف ومحفوظاته من غير مراجعة أو تدقيق. من ذلك:
- أورد حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما» (٢) وهو مُلفَّق من حديثين كليهما من حديث أنس بن مالك ﵁:
الأول: قال - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» [البخاري برقم (١٥)] . والثاني: قال - ﷺ -: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .» [البخاري برقم (١٦)] .
- أورد حديث الرجل الذي وَقَصتْه دابته في أخاقيق جرذان، ووصفه بأنه كان مُحْرمًا، والواقع أنهما حديثان مختلفان، ووقعتان متغايرتان، وإن اشترك كلاهما في وَقْص الدابة لكل منهما (٣) .
(٤) تبديل ألفاظ الحديث بألفاظ أخرى، مع ما يترتب على ذلك من استدلال بالحديث المُغيَّر. مثال ذلك:
- حديث: «الرضاع لحمة كلحمة النسب» . لا يوجد بهذا اللفظ في دواوين السنة بحسب الإطلاع، وقد فرَّع عليه معنى استنبطه منه، وإنما هو «الولاء لحمة كلحمة النسب» (٤) .
- حديث: «نضَّر الله امْرءًا سمع مقالتي فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من ليس بفقيه» . لم تَرِدْ رواية في جميع ما وقفت عليه بلفظ: «ورُبَّ حامل فقه إلى من ليس بفقيه»، بل كل الذي وجدته
«فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه» . والمصنف استدل بما ذكره من حديث على اشتراط
_________________
(١) انظر: ص ١٥٩ هامش (٨) من القسم التحقيقي.
(٢) انظره في: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص ١٠٠.
(٣) انظر: التعليق (١١) ص ٢٩٧ من القسم التحقيقي.
(٤) انظر: ص ٣٧٠، هامش (١) من القسم التحقيقي.
[ ١ / ١٦٠ ]
الفقه في رواية الحديث، وجماهير العلماء على عدم اشتراط الفقه في الراوي ويستدلون لهذا بالحديث نفسه، لكنْ بألفاظه المعهودة المحفوظة (١) .
(٥) مما يدل على خِفَّة ذات يده في الحديث، وَهْمه في نسبة بعض الأحاديث والآثار لغير أصحابها فمن ذلك:
- أسند لرسول الله - ﷺ - حديثًا بينما هو من كلام غيره، وهو: «نعم العبد
صهيب، لو لم يَخَف الله لم يعصه» (٢) .
- نسبته أثرًا لابن عباس ﵄: «كنا نأخذ بالأحاديث فالأحدث من أمر رسول الله - ﷺ -» . وإنما هو مدرج من كلام ابن شهاب الزهري بلفظ: «وإنما يؤخذ من أمر النبي - ﷺ - الآخر فالآخر» وهي رواية البخاري. أو بلفظ: «وكان صحابة رسول الله يتبعون الأحدث. . .» (٣) وهي رواية مسلم.
- زعم أن البخاري وغيره رَوَوْا لعَمْرو بن عُبيد مع أنه لم يقبله أحد، بل جرَّحوه لكونه رأسًا في البدعة ومن الدعاة إليها (٤) .