صرّح القرافي بالباعث على تأليف كتاب " تنقيح الفصول " بأنه مقدِّمةٌ لكتابه الجليل وسِفْرِه الكبير " الذخيرة في الفقه ".
فها هو يقول في كتابه الذخيرة (١ / ٣٩): «وأقدِّم بين يديه (أي الذخيرة) مقدّمتين، إحداهما: في بيان فضيلة العلم وآدابه. . . والمقدمة الأخرى: في قواعد الفقه وأصوله، وما يُحتاج إليه من نفائس العلم، مما يكون حِليةً للفقيه، وجُنَّةً للمُناظر، وعونًا على التحصيل» .
وعندما زَبَر المقدمة الثانية في الذخيرة (١ / ٥٥) قال: «المقدمة الثانية: فيما يتعيّن أن يكون على خاطر الفقيه من أصول الفقه، وقواعد الشرع، واصطلاحات العلماء، حتى تُخرَّج الفروع على القواعد والأصول، فإن كل فقهٍ لم يُخرِّج على القواعد فليس بشيء» .
وبهذا أبان القرافي بجلاء غرضه من تأليف هذا المختصر الأصولي، وهو أن يكون مقدّمةً للموسوعة الفقهية الضخمة " الذخيرة ".
وهذه طريقة مستحسنة في التآليف، من شأنها أن توقف القاريء على القواعد الأصولية التي انبثقت منها تفاريع الفقه، وفتاوى الإمام، وترشده إلى مدارك أقوال العلماء ومنطلقاتهم ومآخذهم في الأحكام. ومن هنا ندرك مدى العلاقة الوثيقة بين علم الأصول وعلم الفقه، فالفقه بالنسبة للأصول كالثمرة للشجرة، وكاللَّبنات المشيَّدة على الأساس.
_________________
(١) انظر أسماء هذه الشروح: ص (٧٠) من القسم الدراسي.
(٢) انظر مثلًا: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣ / ٧٥١)، شرح الكوكب المنير ٣ / ١٧، نشر البنود على مراقي السعود للعلوي الشنقيطي ١ / ١٢.
[ ١ / ٦٦ ]
ولا غَرْوَ أن سلك القرافي هذا المسلك في التأليف، فلم يكن بِدْعًا من العلماء، بل سَبَق لعلماء أفذاذٍ انتهاجُها (١) .
أما زمن تأليف المتن فلا يُدرى على وجه التحديد، لكن جاء في خاتمة النسخة
(أ) المصوّرة من مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض قوله: «كتبه لنفسه الفقير إلى رحمة ربه أبو بكر بن صارم في شهر ربيع الأول سنة ست وستين وستمائة. غفر الله له. . .» (٢) . فهذا التاريخ المرقوم هنا يقطع بأن تصنيف المتن كان سنة ٦٦٦ هـ أو قبلها. وإذا كان شرح المتن وقع الانتهاء منه سنة ٦٧٧ هـ، - كما جاء في بعض خواتيم نسخ الشرح - علمنا بأن الفاصل الزمني بين التأليفين إحدى عشرة سنة أو ما يزيد عليها. فالمتن من بواكير إنتاجات القرافي الأصولية، والشرح من أواخر تأليفاته (٣) .