بعد الاطلاع على مكانته العلمية السامقة ومنزلته الرفيعة الشاهقة، ماذا عسى أهل العلم أن يقولوا فيه؟
إليك بعض ما قيل فيه رحمه الله تعالى (٢):
الإمام، العالم، الفقيه، الأصولي، العلامة الفهامة، وحيد دهره، وفريد عصره، نسيج وحده، وثمر سعده، شيخ الشيوخ، وعمدة أهل التحقيق والرسوخ، ذو العقل الوافي، والذهن الصافي، الشهاب القرافي.
الإمام الحافظ، والبحر اللافظ، المفوَّه المنطيق، الآخذ بأنواع الترصيع والتطبيق، كان حسن السمت والشكل، وكان مُحْرِزًا قَصَب السَّبْق، جامعًا للفنون، وكان مُرْتَحل العلماء من الأصقاع النائية.
كان إمامًا بارعًا في الفقه، والأصول، والعلوم العقلية، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، دلَّتْ مصنفاته على غزارة فوائده، وأعربتْ عن حسن مقاصده، جمع فأوعى، وفاق أضرابَه جِنْسًا ونوعًا.
كان أحسن مَنْ ألقى الدروس، وحلَّى مِنْ بديع كلامِه نُحوْرَ الطروس، إن عَرَضتْ حادثة فَبِحُسْن توضيحه تزول، وبعَزْمته تحول، فَلِفَقْده لسانُ الحال يقول:
_________________
(١) البيت من بحر الوافر، وهو لأبي الطيب المتنبي. انظر: شرح ديوان المتنبي للبرقوقي ٤ / ٢٧.
(٢) انظر: محصل هذه النعوت والأوصاف في: الديباج المذهب ص ١٢٨، نيل الابتهاج بتطريز الديباج للتنكتي ص ٣٢٥، شجرة النور الزكية ١ / ١٨٨.
[ ١ / ٤٦ ]
حَلَفَ الزمانُ ليأتينَّ بمثلِهِ حَنِثَتْ يمينُك يا زمانُ فكَفِّرِ (١)
- قال الطوفي (٢) فيه: «الشيخ الإمام الأوحد» (٣) .
- وقال الحافظ الذهبي (٤) فيه: «العالم الشهير، الأصولي. . . كان إمامًا في أصول الدين، وأصول الفقه، عالمًا بمذهب مالك، وبالتفسير، وعلوم أخر. . . وصنَّف في أصول الفقه الكتب المفيدة الكثيرة، واستفاد منه الفقهاء» (٥) .
- وقال ابن السبكي (٦) فيه: «أستاذ زمانه في المنطق والعقليات بأسرها» (٧) .
- وقال الحافظ العلائي (٨) فيه: «كان يجري بينه وبين العلامة شمس الدين
_________________
(١) لم أتعرَّف على قائله. لكنه يتكرَّر وروده في كتب التراجم والتواريخ، مبالغةً في مَدْح العَلَم المترجَم له. ولهذا قيل هذا البيت في: أبي بكر بن عمر الطريني (ت ٨٢٧ هـ)، انظر: المستطرف في كل فنٍّ مستظرف للأبشيهمي ١ / ٣٢٠. وقيل أيضًا في: ابن مرزوق الحفيد (ت ٨٤٢ هـ)، انظر: نفح الطيب للمقري التلمساني ٥ / ٤٢٣.
(٢) هو نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي الطوفي البغدادي الحنبلي. كان قوي الحافظة والذكاء، شارك في علوم كثيرة، منها: اللغة والتفسير والأصول والعقيدة. له مؤلفات كثيرة، منها: شرح مختصر الروضة (ط)، الانتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية (ط) وغيرها، ت ٧١٦ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢ / ٣٦٦.
(٣) شرح مختصر الروضة ١ / ١٠٤.
(٤) هو: الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الشافعي، اشتهر في علوم الحديث والتاريخ، له تصانيف نافعة كثيرة، منها: تاريخ الإسلام (ط)، سير أعلام النبلاء (ط)، ميزان الاعتدال (ط) وغيرها، ت ٧٤٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٩ / ١٠٠.
(٥) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث وفيات ٦٨١ - ٦٩٠ هـ) ص ١٧٦.
(٦) هو: تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي، تتلمذ على أبيه تقي الدين السبكي، ولزم الذهبي، وله مشاركة في التاريخ والأصول والفقه والأدب وغير ذلك. له مصنفات مفيدة منها: طبقات الشافعية الكبرى (ط)، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (ط)، الأشباه والنظائر (ط) وغيرها. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ٢ / ٤٢٥.
(٧) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ٣ / ٨٢.
(٨) هو: صلاح الدين خليل بن كَيْكَلدي العلائي الشافعي إمام في الأصول والحديث والفقه، أخذ عن ابن الزملكاني وغيره. له مؤلفات نافعة منها: تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم (ط)، تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال (ط) وغيرها. ت ٧٦١ هـ. انظر: الدرر الكامنة ٢ / ١٧٩.
[ ١ / ٤٧ ]
الأصفهاني (١) الأصولي (صاحب الكاشف على المحصول) مباحث كثيرة ويسيء عليه الأصفهاني الأدب، ويستطيل عليه كثيرًا، وهو يحتمله. وجماعة من الفضلاء يرجحون الأصفهاني عليه في التحقيق، ولكن الشيخ شهاب الدين القرافي أعرف بتخريج المسائل الفقهية على قواعد الأصول، وأشهر بمعرفة القواعد الكلية، وأكثر فوائد، وله في تصانيفه نكت حسان لا توجد لغيره، ومطالعة كتبه مفيدة جدًا، وله مشاركة قوية في الطب والعربية، وله نظم ونثر جيدان» (٢) .
- قال رئيس القضاة تقي الدين بن شكر (٣): «أجمع الشافعية والمالكية على أن أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثةٌ: القرافي بمصر القديمة، والشيخ ناصر الدين ابن المنيرِّ (٤) بالأسكندرية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد بالقاهرة. . .» (٥) .
- وقال ابن دقيق العيد - لما مات القرافي - «مات من كان يُرجع إليه في علم
الأصول» (٦) .
- ولا غرو بعد ذلك أن عَدَّه السيوطي (٧) في حسن المحاضره (١ / ٣١٦) مجتهدًا مطلقًا.
_________________
(١) هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمود العِجلي الأصفهاني الشافعي، رحل من أصفهان إلى بغداد واستقر في القاهرة، ولي قضاء قوص والكرك، وبقي مدرسًا في القاهرة حتى مات سنة ٦٨٨ هـ. كان إمامًا في المنطق والكلام والأصول والجدل. من مؤلفاته: الكاشف عن المحصول (ط) . انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨ / ١٠٠.
(٢) نقلًا عن ترجمة العلائي للقرافي المثبتة في افتتاحية النسخة الخطية الأزهرية (هـ) لكتاب شرح تنقيح الفصول انظر: ص (٢٤٤) القسم الدراسي.
(٣) لم أقف على ترجمته.
(٤) هو: ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الإسكندري المالكي المعروف بابن المنيِّر، ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها. له كتاب: الانتصاف من الكشَّاف (ط) علَّق على اعتزاليات الزمخشري. ت ٦٨٣ هـ. انظر: الديباج المذهب ص ١٣٢.
(٥) انظر: الديباج المذهب ص ١٢٩.
(٦) انظر: المرجع المذكور في هامش (٢) من هذه الصفحة.
(٧) هو: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، فقيه أصولي نحوي متكلم مفسِّر، له مؤلفات كثيرة جدًا منها: الدر المنثور (ط)، الإتقان في علوم القرآن (ط)، الأشباه والنظائر (ط)، الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع (ط)، وغيرها. ت ٩١١ هـ. انظر: شذرات الذهب ٨ / ٥١.
[ ١ / ٤٨ ]