وقع من المصنف جملةٌ من المؤخذات تتعلق بنسبة الأقوال والآراء إلى أصحابها، وتتعلق بالنقولات والتصرف فيها، أو يكون النقل على خلاف واقع المنقول عنه ونحو ذلك، وكل ذلك مردُّه إلى السهو والوهم الملازم لطبيعة البشر.
ومن الأمثلة على ذلك:
(١) خطأ في النقل والعزو. أ - نقل بأن مذهب أبي إسحاق في مسألة انعقاد الإجماع في عصر النبي - ﷺ - جواز انعقاده. وصواب النقل عنه: أنه لا تنعقد، وهكذا فعل مع مذهب ابن برهان (٢) .
ب - نقل كلامًا للشيرازي وعزاه إلى " اللمع " (٣) والصواب: " شرح اللمع " والمؤلف لم يُبْعد النُّجْعة، فاللمع وشرحه كلاهما لأبي إسحاق، وربما أراد الاختصار في الاسم.
(٢) خطأ في نسبة الآراء إلى أصحابهما ومذاهبها. من ذلك:
أ - نسب للشافعية القول بأن جواز تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان لاحتفاف القرائن بها، بينما الصحيح عندهم عدم اشتراط احتفاف القرائن (٤) .
ب - لم يُصِبْ في نسبة جواز القياس في الرخص للشافعي، فما في رسالة الشافعي على خلاف هذه النسبة (٥) .
جـ - أخطأ في حكاية خلاف أبي حنيفة مع الجمهور في مسألة شهادة الذمي على المسلم في الوصية في السفر (٦) .
_________________
(١) انظر: القسم التحقيقي ص ٣٩٠ هامش (١٠) .
(٢) انظر: القسم التحقيقي ص ٩٦ هامش (٧)، ص ٩٧ هامش (٢) .
(٣) انظر: القسم التحقيقي ص ٦٤ هامش (٤) .
(٤) انظر: القسم التحقيقي ص ٤٥٢ هامش (١٢) .
(٥) انظر: القسم التحقيقي ص ٣٩٧ هامش (٤) .
(٦) انظر: هامش (٢) ص ٢٢٥ من القسم التحقيقي.
[ ١ / ١٦٣ ]
د - وهم المصنف في حكاية رأي القاضي عبد الجبار في مسألة حكم الزيادة غير المستقلة على النص أهي نسخ أم لا؟ (١)
(٣) التساهل في النقل.
تختلف طرائق العلماء في الاقتباس من الكتب والنقل منها. فمنهم من يحافظ على ما ينقله بنصِّه وفصِّه، ومنهم من ينقل بالمعنى والفحوى، ولا تَثْريب على كلا المسلكين، بَيْدَ أن المعاتبة والملامة تتجه نحو من ينقل من الكتب فيحيل المعنى أو يُغْمضه أو يُبْهمه أو يُشْكله. وقد وقع القرافي ﵀ في شيء من ذلك بحسب ما ظهر لفهمي القاصر، فمن ذلك:
أ - أورد نقلًا عن الرازي في محصوله (٣ / ٢٦٦) لكن فيه تصرُّف ليس كما هو (٢) .
ب - نقل عبارةً عن الإمام الرازي ثم أردفها بجُمَلٍ وعباراتٍ أخرى ليست عنده، وعقَّب عليها بقوله: «قاله الإمام» وليس للإمام منها سوى الأولى (٣) .
جـ - ساق حجة أبي علي الجبائي في الإجماع السكوتي على غير طريقته (٤)، وهكذا فعل في سياق حجة أبي هاشم (٥) .
د - نقل عن ابن القصار بأن ابن القاسم لا يقبل قول القاسم. وهذا النقل فيه تسمُّح فإن ابن القصار ذكر رواية ابن القاسم عن مالك بعدم قبول قول القاسم (٦) .
هـ - قال بأن الآمدي رجَّح الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه. والصواب: أنه بوجهٍ واحد، وأما تقديم الحظر على الوجوب رجحه الآمدي بوجهين، فالمصنف دمج المسألتين معًا، وجعل الترجيح فيها من ثلاثة أوجه (٧) .
_________________
(١) انظر: القسم التحقيقي ص ١٠٤ - ١٠٥، ص ١٠٩ هامش (٣) .
(٢) انظر: القسم التحقيقي ص ٣٩ هامش (٦) .
(٣) انظر: القسم التحقيقي ص ١٤٩، هامش (٩) .
(٤) انظر: القسم التحقيقي ص ١٤٤ هامش (٦) .
(٥) انظر: القسم التحقيقي ص ١٤٩، هامش (١) .
(٦) انظر: القسم التحقيقي ص ٤٥٠، ص ٤٥١ هامش (٣) .
(٧) انظر: القسم التحقيقي ص ٤٠٦ هامش (٩) .
[ ١ / ١٦٤ ]
(٤) يُعْرِض عن سَرْد الأقوال كلها في المسألة الواحدة، ولا يستوفيها، بل يقتصر على قولين ونحوهما، ويعرض عن بقيتها، وربما كان باعثه على ذلك الاقتصار على الأقوال القوية دون الضعيفة بحسب ما بدا له، مع الأخذ بطبيعة كتابه المختصر في الحسبان.
ومن ذلك:
أ - مسألة دلالة فعل النبي - ﷺ - المجرد ذكر فيها ثلاثة أقوال، بينما فيها قولان آخران لم يذكرهما المصنف (١) .
ب - مسألة اعتبار أهل البدع من أهل الإجماع ذكر فيها قولًا واحدًا، وفي المسألة أقوال أخرى أبرز مما ذكره المصنف (٢) .
جـ - مسألة رواية الحديث بالمعنى ذكر فيها مذهبين، بينما صاحب كتاب
" توجيه النظر إلى علم الأثر " عدَّ ثمانية أقوال بل تسعة (٣) .
د - اقتصر المصنف في مسألة حكم اجتهاد غير النبي - ﷺ - في حياته على قول
واحد، وفي المسألة ستة أقوال (٤) .
هـ - لم يحك مذهب الوقف في مسألة تعبد النبي - ﷺ - بشرع من قبله قبل البعثة مع كونه الأرجح عند بعض الأصوليين (٥) .
وأضْرب صَفْحًا عن ذكر رأي جمهور الأصوليين في مسألة إثبات أصول العبادات بالقياس (٦) .
(٥) نسبة القول إلى مجاهيل ومبهمين، كقوله: قال بعضهم (٧)، وخلافًا
_________________
(١) انظر الصفحات ٢ - ٤، وهامش (٥) ص ٤ من القسم التحقيقي.
(٢) انظر: القسم التحقيقي ص ١٦٠ هامش (٦) .
(٣) انظر المسألة في: القسم التحقيقي ص ٢٩٢ هامش (٨) . وانظر كتاب: توجيه النظر للشيخ طاهر الجزائري ٢ / ٦٨٦.
(٤) انظر: القسم التحقيقي ص ٤٦٠ هامش (٣) .
(٥) انظر: القسم التحقيقي ص ٢٤ هامش (٦) .
(٦) انظر: القسم التحقيقي ص ٣٩٥ هامش (٤) .
(٧) انظر: القسم التحقيقي ص ٣٨٩.
[ ١ / ١٦٥ ]
لقوم (١)، وجوَّزه الأقلون (٢)، قال غيره (٣)، خلافًا لبعض الفقهاء (٤) .
(٦) عدم فصل القرافي بين كلامه وكلام غيره، فيَحْدث تداخُلٌ بين ما له وما لغيره. وهذا أوقعني في عُسْرٍ شديدٍ للتمييز بينهما ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، ولاسيما إذا كان المنقول عنه مفقودًا كأقوال القاضي عبد الوهاب وغيره (٥) .
(٧) إغفاله إظهار المذهب المالكي في بعض المسائل.
إن الشهاب القرافي حرص على إجلاء المذهب المالكي، بل صرَّح بأن منهجه في الكتاب هو: إبراز مذهب الإمام مالك الأصولي ليظهر شرفه فيه كما ظهر في الفروع (٦) . وقد بيَّنتُ طَرَفًا من هذا الاهتمام عند الحديث عن القيمة العلمية للكتاب (٧) . لكن من المآخذ الكبيرة على الإمام القرافي ﵀ أنه لم يحرِّر الأقوال كثيرًا في مسالة إجماع المدينة، ولم يُطل النفس فيها، حتى إن العالم المحقِّق حلولو دهش من ذلك فقال: «هذه المسألة من أمَّهات مسائل المذهب وقواعده، والعجب من المصنف كيف لم يَهْتبل بها، ولم يحرِّر النقل فيها مع كثرة تدقيقه وتحريره واهتباله بقواعد المذهب، وقد اشتهر بين النظار أن إجماع أهل المدينة عند مالك ﵀
تعالى» (٨) .
كما أن الإمام القرافي أورد بعض مسائل أصولية مع بيان مذاهب القائلين فيها، وتجده في الوقت نفسه يُعْرض عن إبداء رأي المالكية فيها، مع أن الكتاب برُمَّته تأسَّس لبيان أصول المالكية.
_________________
(١) انظر: القسم التحقيقي ص ١٥٨، ٤٢١.
(٢) انظر: القسم التحقيقي ص ٩٣.
(٣) انظر: القسم التحقيقي ص ٤٤٧.
(٤) انظر: القسم التحقيقي ص ٣٧١.
(٥) انظر على سبيل المثال الصفحات: ٤٠، ١٠٠ - ١٠١، ١٨٥، ٢٩٠ - ٢٩١، ٣١٧، ٣٨٩،
(٦) ٤٤٢ من القسم التحقيقي.
(٧) انظر: الذخيرة ١ / ٣٩.
(٨) انظر: ص ١٣٤ من القسم الدراسي.
(٩) التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص ٢٨٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
من أمثلة ذلك: مسألة الإجماع السكوتي (١)، حتى قال صاحب نشر البنود:
«ولا أدري لِمَ لمْ يَعْزُ قولًا من تلك الأقوال لأهل المذهب، مع أن كتابه موضوع بالذات لبيان أصول مالك، ومع أن أهل المذهب لابد أن يقولوا ببعض هذه الأقوال اتفاقًا أو اختلافًا، والخلاف في ذلك معروف في المذهب. . .» (٢) .
ومن الأمثلة أيضًا: مسألة نقل الخبر بالمعنى (٣) . وربما كان السبب في عدم التصريح برأي المذهب في بعض المسائل موافقة المالكية لتلك الأصول، فإن التقارب المنهجي ظاهر وواضح فيما بينها.