أرجأتُ الكلام عن منهج تحقيق الكتاب إلى المبحث العاشر من الفصل الثالث (١)؛ وذلك لأني رأيت بأن موقعه اللائق به هناك لأمرين:
الأول: بعد توصيف ما حُزْتُه من النسخ الخطية مع عرض نماذج منها، صار من المناسب إتباع ذلك بمنهج التحقيق، والقواعد المنهجية المتبعة؛ لشدَّة اتصال المنهج بوصف النسخ.
الثاني: ليكون آخر ما يعلق بذهن القاريء من موضوعات الدراسة منهج التحقيق وهو أول ما يدخل به مباشرة عند قراءة نص الكتاب، وبهذا يكون مستصحبًا هذا المنهج ومستحضرًا له في أثناء تقليب صفحات الكتاب.
أما المنهج الذي اتبعته في القسم الدراسي فإني:
- عزوت الآيات إلى سورها.
- تركتُ تخريج الأحاديث إذا كانت مذكورةً في القسم التحقيقي، وخرَّجت
ما لم يرد فيه.
- ترجمت للأعلام الذين جاء ذكرهم في القسم الدراسي، مع الإحالة على موطن الترجمة لمن تُرجم له في القسم التحقيقي.
- شرحت الألفاظ الغريبة التي تبدو كذلك من وجهة نظري.
- عرفت بالمصطلحات والمدن والطوائف التي رأيت الحاجة داعيةً إلى ذلك.
- صنعت فهارس للقسم الدراسي.
هذا، ولقد حاولت في التحقيق الاقتصار على لفظٍ موجز ومعنىً مكتنز، حتى أجعل المكتوب بمقياس المطلوب تمشيًا مع المرغوب، لكنَّه أملٌ حال دونه سوء التقدير وسقم التفكير. وأحبُّ أن أعلن بصوتٍ يبلغ الغاية، بأنني لم ولن أبلغ في تحقيق الكتاب النهاية، بل إذا حسَّنتُ الظنَّ قلتُ: خطوةٌ في البداية، فلا أشكُّ أن العمل في هذه الرسالة في حاجةٍ إلى التنقيح والتهذيب، والتصحيح والتشذيب، وهكذا شأن المرء فيما يكتبه، لا يكتب شيئًا في يومه إلا ويرى فيه خللًا في غده، وهذا من أعظم العبر على استيلاء النقص على جملة البشر.
_________________
(١) انظر: ص ٢٧٦ القسم الدراسي.
[ ١ / ١٢ ]
فإذا كان هذا شأن المرء مع ما يكتبه وشأنهُ التقصير، فما بال ناقده والناقدُ بصير، فليتلطَّف الناظرُ فيه مع غضِّ النظر، وليُوسِع العُذْرَ إن اللبيب من عَذَر. ولستُ أُزْجيه للناس بشرط البراءة من العيب، فإن الإنسان محلُّ النقصان بلا ريب، ويأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.
سامحْ أخاك إذا خَلَطْ منه الإِصَابةَ بالغَلَطْ
وتَجَافَ عن تَعْنِيفِهِ إنْ زاغ يومًا أو قَسَطْ
واعْلَمْ بأنَّك إن طَلَبْـ ـتَ مُهذَّبًا رُمْتَ الشَّطَطْ
ولو انْتَقَدْتَ بني الزَّمَا نِ وَجَدْتَ أكْثَرَهُمْ سَقَط
مَنْ ذَا الذي ما سَاءَ قَطْ ومَنْ له الحُسْنَى فَقَطْ
غيرَ نبيِّنا الذي عليه جبريلُ هَبَط (١)
وفي نهاية المطاف أودُّ البَوْح بكلماتٍ طالما اكتظَّ بها صدري وفاءً وعرفانًا:
؟ أولى هذه الكلمات دعوات ضارعات إلى ربِّ البريات أن يجعل عملي هذا امتدادًا لغراس والديَّ اللَّذَين ما فَتِئَا صابرَيْن داعِيَيْن الله أن يكتب التوفيق للباحث وبحثه.
؟ ثاني هذه الكلمات دعوات وفيَّات من عالم الأسرار والخفيَّات أن يوفِّق فضيلة شيخي وأستاذي الدكتور / حمزة الفعر المشرف على الرسالة إلى كلِّ ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وأن يبارك له في أعماله وأحواله، وأولاده وأمواله، ومآبه ومآله، إنه تعالى قريب مجيب الدعاء، وإن أنس فلن أنس إجزاء شكري وتقديري لفضيلة شيخي وأستاذي الدكتور / مختار بابا آدو الذي تولَّى الإشراف على هذه الرسالة في بداياتها ثم اعتذر لظروفه الصحية أسأل الله تعالى أن يعافيه ويشافيه وأن يمتعه بالصحة والسلامة ويحسن لنا وله الختام. إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
؟ ثم دعوات صالحات مخلصات من إله الجمادات والكائنات لكل من قاسمني معاناة هذا البحث، ولكلِّ من كان له عليَّ فضل ومساعدة، فكم كانت لهم من فضائلَ بالغةٍ وأيادٍ سابغةٍ، وهم خَلْقٌ كثير، لا يضرُّهم أن جهلتموهم، فالله يعلمهم، والله يرحمهم، ويزجل لهم العطايا والهبات، فلهم منه ﷿ طوبى وحسنُ مآب.
_________________
(١) الأبيات من مجزوء الكامل للحريري ما عدا البيت الأخير. انظر: شرح مقامات الحريري للشريسي ٢ / ٢١٣.
[ ١ / ١٣ ]
ربِّ هبْ لي حُكْمًا وألحقني بالصالحين، واجعلْ لي لسان صِدْقٍ في الآخرين، واجعلني من ورثة جنَّةِ النعيم. ربِّ أوزعني أن أشكرَ نعمتَك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ١٤ ]