لقد خاض سلاطين الأيوبيين والمماليك جهادًا باسلًا ضد الإفْرَنْج (٣) الذين كانوا يدأبون ليل نهار على غزو بلاد المسلمين، ومحو آثار الإسلام، ونشر عقيدتهم الصليبية.
ولقد امتدتْ جذور هذه الحروب الصليبية قبل ولادة القرافي بزمن كبير، فقد بدأت حملتهم الأولى عام ٤٩٢هـ، حيث توجهوا إلى بيت المقدس، واستولوا عليه، وقتلوا ما يزيد عن ستين ألف مسلم (٤) . واستمرت الحروب سِجَالًا بينهم وبين المسلمين، وقصدوا الديار المصرية، فتمكنوا منها عام ٥٦٤هـ (٥) .
_________________
(١) الأيوبية: مؤسسها صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٦٤هـ امتد سلطانها على مصر والشام واليمن وغيرها، تعاقب على ملكها ثمانية سلاطين آخرهم توران شاه، قامت دولة المماليك على أنقاضها عام ٦٤٨هـ. انظر: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية لمصطفى الخطيب ص ٦٠
(٢) المملوكية: أسسها المعز لدين الله أيبك الصالحي سنة ٦٤٨هـ. والمماليك هم صنف من العبيد أصلهم أتراك وجراكسة استقدمهم الأيوبيين للخدمة العسكرية، ثم برز منهم أقوياء، قامت دولتهم على أنقاض الأيوبية. وهم نوعان المماليك البحرية حكموا ما بين (٦٤٨ - ٧٩٢هـ) . ومماليك بُرْجِية حكموا ما بين (٧٩٢-٩٢٤هـ) . انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ص ٢١ - ٧٤
(٣) الإفْرَنج: ويقال: الإفْرَنْجَة، والفَرَنْج، وهي كلمة فرنسية، هم سكان أوروبا ماعدا الأروام والأتراك. انظر: القاموس المحيط ص٢٠١، المنجد في اللغة مادة"إفرنج"
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٢ / ٢٥٧
(٥) انظر: البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٥
[ ١ / ١٧ ]
ثم هيأ الله للأمة قائدًا مظفَّرًا هو " صلاح الدين الأيوبي " (١) الذي دحرهم، وتتبَّع فُلُولهم، ودكَّ جحافلهم، وحرَّرَ بيت المقدس من نَيْر احتلالهم سنة ٥٨٣هـ (٢) . وبعد صراعات داخلية بين أبناء صلاح الدين وإخوته حول الحكم ونحوه، انتهز الصليبيون هذه الفرصة فانقضُّوا مرة أخرى على بلاد المسلمين (٣) .
وفي عام ٦٤٦هـ جهَّز الصليبيون حملة عظيمة كان القصد منها الاستيلاء على القاهرة، فلما علم بها الملك الصالح نجم الدين أيوب (٤) - وهو على فراش الموت - أمر بقتالهم. واستولى الصليبيون على دِمْياط (٥)، ومات الملك الصالح، فأخفت زوجته خبر وفاته لئلا يَفُتَّ ذلك في عَضُد الجنود. ثم تولى من بعده ابنه توران شاه (٦) سنة ٦٤٧هـ، فقاتل الإفرنج حتى هزمهم هزيمة ساحقة، غير أنه قُتِل سنة ٦٤٨هـ، وبموته انْقَضَتْ دولة بني أيوب في مصر (٧) .
ولما تسلم المماليك الحكم في مصر والشام كان ما يزال احتلال الصليبيين قائمًا لبعض ديار الإسلام، فأَنْهك قواهم السلطان الظاهر بِيْبَرْس (٨) الذي حكم من سنة
_________________
(١) هو يوسف بن أيوب بن شاذي الكردي أبو المظفر، الملقب بالملك المظفر الناصر صلاح الدين الأيوبي. كان عادلًا وحازمًا مجاهدًا، قائد معركة حطين، أسَّس الدولة الأيوبية سنة ٥٦٤هـ بمصر والشام. توفي سنة ٥٨٩هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٧ / ١٣٩، سير أعلام النبلاء للذهبي ٢١ / ٢٧٨
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٢ / ٣٢٠
(٣) انظر: البداية والنهاية ١٢ / ٢٧٧
(٤) هو نجم الدين أيوب بن الكامل ناصر الدين محمد بن العادل سيف الدين أبي بكر الأيوبي، ولد بالقاهرة سنة ٦٠٣هـ، وملك مصر سنة ٦٣٧هـ، وبنى المدارس، واشترى المماليك. توفي سنة ٦٤٧هـ. انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي ٢ / ٣٤
(٥) دِمْياط: مدينة عريقة بمصر تقع عند ملتقى النيل بالبحر الأبيض المتوسط. وهي عاصمة محافظة دمياط الآن. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٢ / ٤٧٢، المنجد في الأعلام، ص٢٤٦.
(٦) هو الملك توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين، قَرَّب مماليكه، وأبْعَد مماليك أبيه، فنفرتْ منه قلوبهم، وقتلوه سنة ٦٤٨هـ. وكانت مملكته شهرين. انظر: حسن المحاضرة ٢ / ٣٥
(٧) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي ١ / ٣٣٢ - ٣٦٠
(٨) هو الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بِيْبَرْس الصالحي المملوكي، أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب. تولى الحكم بعد قَتْل الملك سيف الدين قُطْز، كان عالي الهمة شديد البأس. توفي سنة ٦٧٦هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤ / ١٥٥.
[ ١ / ١٨ ]
٦٥٨هـ إلى ٦٧٦هـ، ثم جاء من بعده السلطان المنصور قَلاَوُوْن (١) الذي حكم ما بين (٦٧٨ - ٦٨٩هـ)، وجاهد في أثناء حكمه، وانتزع ما بأيدي الصليبيين من الحصون والمدن (٢) .