كيف كان الإمام القرافي يخاطب نفسه، وهو يعالج مسائل الأصول العويصة؟ إن من عجائب هذا الكتاب أنك وأنت تقرؤه تستمع إلى محاورات نفسية بين القرافي والمسائل التي يخوض غمارها، وحديثُ النفس ذو شجون، فما أكثر خلجات النفوس وتفاعلاتها!!
فالقرافي إذا أعجبه ما سطَّره عبَّر بكلماتٍ تدل على سروره وفرحه به، وتلْمسُ من عباراته اعتزازه وثقته بما يكتب ويحرِّر، وليس هذا نابعًا من العُجب بالنفس فيما أَحْسَب، بل لعلَّه من باب التحدّث بنعمة الله تعالى. فاستمع إليه وهو يقول:
أ - «وقد ذكرنا منه جملةً من الكتاب العزيز هنالك - يشير إلى كتابه " الاستغناء " - فمن أرادها فليطالعه، فإنها فوائد غريبة، وقواعد جليلة، وهي كلُّها من فضل الله تعالى، وله المنة في جميع الأحوال، لا إله إلا الله هو الكبير المتعال» (١) .
ب - بعد أن أورد سؤالًا على لفظٍ من ألفاظ الأيمان قال «قلتُ: السؤال حسن قوي غير أن الجواب عنه حسن جميل» (٢) .
جـ - ولما فرَّق بين ورود الخاص على العام وورود المقيد على الإطلاق قال «فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أن جماعة من العلماء لم يفرِّقوا، وساقوا الجميع مساقةً
واحدةً، والفرق كما رأيت، فهو موضوع حسن، لم أرَ أحدًا تعرَّض إليه» (٣) .
وفي موضع آخر لنفس المسألة قال: «فهذا فرق عظيم ينبغي أن تلاحظه فهو نفيس في الأصول والفروع» (٤) .
د - «فهذا هو تلخيص هذا الموضع، وهو موضع حسن غريب» (٥) .
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص ٢٥٨.
(٢) المصدر السابق ص ٢١٧.
(٣) المصدر السابق ص ٢٦٧.
(٤) المصدر السابق ص ٢٢١.
(٥) المصدر السابق ص ١٥٥.
[ ١ / ١٣٠ ]
هـ - «فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين، ولم أره مسطورًا، وقد نقلتُ في شرح المحصول طرقًا عديدة عن الأصحاب، وبيَّنتُ ما عليها من الإشكال، واخترت هذه الطريقة» (١) .
ومع ما يقع في الكتاب من عباراتٍ توميء إلى اعتداده وثقته بما يكتب إلا أن المصنف ﵀ كان يعبِّر في مواطن أخرى بعباراتٍ يُشْتمُّ منها رائحة التواضع والتراجع، ونكرانه لذاته، وتسليمه بالعجز، ومحدودية قدرته، فاستمع إليه وهو يقول:
أ - «فلذلك زدتُ أنا من عندي القيود التي بعد هذا القيد. . . فبقيتْ هذه الزيادة مضمومةً إلى كلامه (الرازي)، وهو غير جيد مني، بسبب. . . فبقي الكلام كله باطلًا، بل ينبغي لي أن ابتديء حدًّا مستأنفًا، فأقول: الشرط. . . فهذا هو الحد المستقيم، وأما الذي لي والإمام في الأصل فباطلٌ» (٢) .
ب - «إذا تقرر هذا فأقول: النكرة في سياق النفي تقتضي العموم في أحد
قسمين. . . وما عدا ذلك فلا عموم فيه، فهذا هو تلخيص ذلك الإطلاق فيما وصلتْ إليه قدرتي» (٣) .
جـ - لما ذكر تعريف التخصيص ومحترزاته في المتن ثم شرحها قال أخيرًا: «وهذا الحد باطل مع هذا التحرير العظيم، الذي لم أر أحدًا جمع ما جمعت فيه - ثم قال - فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض، وتخرج الاستثناء، وفيها عُسْر» (٤) .
د - «والذي تقرَّر عليه حالي في شرح المحصول، وهاهنا، أني عاجز عن ضبط الرخصة بحدٍّ جامعٍ مانعٍ. أما جزئيات الرخصة من غير تحديدٍ فلا عُسْر فيه، إنما الصعوبة في الحد على ذلك الوجه» (٥) .
_________________
(١) المصدر السابق ص ٩١.
(٢) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص ٢٦٢.
(٣) المصدر السابق ص ١٨٤.
(٤) المصدر السابق ص ٥٢.
(٥) المصدر السابق ص ٧٨.
[ ١ / ١٣١ ]
هـ - لمَّا عرَّف العام في المتن قال - في الشرح - «وسبب هذه العبارة والاحتياج إليها إشكالٌ كبيرٌ، عادتي أورده، ولم أر أحدًا قط أجاب عنه، وهو: » (١)، ثم سرد الإشكال، وذكر محاولات المجيبين عنه، واعترض عليهم، وقال أخيرًا «فهذا المُلجيء لهذا الحدِّ الغريب» (٢) .
هذا الخلق الكريم من القرافي الذي لمسناه من عباراته المتواضعة التي تشهد بيقين على صدْق تحرِّيه للحق، وشدة تواضعه وتراجعه أقول هذا الخلق لم يفارق تلابيب القرافي حتى في آخر تأليفٍ له. فهو يقول في كتابه " العقد المنظوم في الخصوص والعموم " (٢ / ١٦١) «إشكالٌ عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أُوْرِدُه على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجدْ له جوابًا يرضيني، وإلى الآن لم أجدْه، قد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسَّره الله تعالى علي من الموضوعات في هذا الشأن. . .» .
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص ٣٨.
(٢) المصدر السابق ص ٣٩.
[ ١ / ١٣٢ ]