أخبرنا الربيع قال: محمد بْن إدريس الشافعي
١٦٦- فوافقنا طائفة في أن تثبيت الأخبار عن النبي ﷺ لازم للأمة ورأوا ما حكيت مما احتججت به على من رد الخبر حجة يثبتونها ويضيقون على كل أحد أن يخالفها.
١٦٧- ثم كلمني جماعة منهم مجتمعين ومتفرقين بما لا أحفظ أن أحكي كلام المنفرد عنهم منهم وكلام الجماعة ولا ما أجبت به كلا ولا أنه قيل لي وقد جهدت على تقصي كل ما احتجوا به فاثبت أش ياء قد قلت: ها ولمن قلتها منهم وذكرت بعض ما أراه منه يلزمهم وأسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.
١٦٨- قال: فكانت جملة قولهم آن قال: وا لا يسع أحدا من الحكام ولامن المفتيين أن يفتي ولا يحكم إلا من جهة الإحاطة.
١٦٩ - والإحاطة كل ما علم أنه حق في الظاهر والباطن يشهد به على الله وذلك الكتاب والسنة المجتمع عليها وكل ما اجتمع الناس ولم يتفرقوا فيه فالحكم كله واحد يلزمنا ألا نقبل منهم إلا ما قلنا مثل أن الظهر أربع لأن ذلك الذي لا ينازع فيه ولا دافع له من المسلمين ولا يسع أحدا يشك فيه.
١٧٠- قلت: له لست أحسبه يخفى عليك ولا على أحد حضرك أنه لا يوجد في علم الخاصة ما يوجد في علم العامة.
١٧١- قال: وكيف؟.
[ ٢٠ ]
١٧٢- قلت: علم العامة على ما وصفت لا تلقى أحدا من المسلمين إلا وجدت علمه عنده ولا يرد منها أحد شيئا على أحد فيه كما وصفت في جمل الفرائض وعدد الصلوات وما أشبهها.
١٧٣- وعلم الخاصة علم السابقين والتابعين من بعدهم إلى من لقيت تختلف أقاويلهم وتتباين تباينا بينا فيما ليس فيه نص كتاب يتأولون فيه ولم يذهبوا إلى القياس فيحتمل القياس الاختلاف فإذا اختلفوا فأقل ما عند المخالف لمن أقام عليه خلافه أنه مخطىء عنده وكذلك هو عند من خالفه وليست هكذا المنزلة الأولى.
١٧٤- وما قيل قياسا فأمكن في القياس أن يخطئ القياس لم يجز عندك أن يكون القياس إحاطة ولا يشهد به كله على الله كما زعمت.
١٧٥- فذكرت أشياء تلزمه عندي سوى هذا.
١٧٦- فقال: بعض من حضره دع المسألة في هذا وعندنا أنه قد يدخل عليه كثير مما أدخلت عليه ولا يدخل عليه كله قال: فأنا أحدث لك غير ما قال.
١٧٧- قلت: فاذكره؟.
١٧٨- قال: العلم من وجوه منها ما نقلت: هـ عامة من عامة أشهد به على الله وعلى رسوله مثل جمل الفرائض.
١٧٩- قلت: هذا العلم المقدم الذي لا ينازعك فيه أحد.
١٨٠- ومنها كتاب يحتمل التأويل فيختلف فيه فإذا اختلف فيه فهو على ظاهره وعامه لا يصرف إلى باطن أبدا وإن احتمله إلا بإجماع من الناس عليه فإذا تفرقوا فهو على الظاهر.
١٨١- قال: ومنها ما اجتمع المسلمون عليه وحكوا عن من قبلهم
[ ٢١ ]
الاجتماع عليه وإن لم يقولوا هذا بكتاب ولا سنة فقد يقوم عندي مقام السنة المجتمع عليها وذلك أن إجماعهم لا يكون عن رأي لأن الرأي إذا كان تفرق فيه.
١٨٢ - قلت: فصف لي ما بعده؟.
١٨٣ - قال: ومنها علم الخاصة ولا تقوم الحجة بعلم الخاصة حتى يكون نقله من الوجه الذي يؤمن فيه الغلط.
١٨٤ - ثم آخر هذا القياس ولا يقاس منه الشيء بالشيء حتى يكون مبتداه ومصدره ومصرفه فيما بين أن يبتدئ إلى أن ينقضي سواء فيكون في معنى الأصل.
١٨٥ - ولا يسع التفرق في شيء مما وصفت من سبيل العلم.
١٨٦ - والأشياء على أصولها حتى تجتمع العامة على إزالتها عن أصولها.
١٨٧ - والإجماع حجة على كل شيء لأنه لا يمكن فيه الخطأ.
١٨٨ - قال: فقلت: أما ما ذكرت من العلم الأول من نقل العوام عن العوام فكما قلت.
١٨٩ - أفرأيت الثاني الذي قلت: لا تختلف فيه العوام بل تجتمع عليه وتحكي عن من قبلها الاجتماع عليه أتعرفه فتصفه أو تعرف العوام الذين ينقلون عن العوام أهم كمن قلت: في جمل الفرائض فأولئك العلماء ومن لا ينسب إلى العلم ولا نجد أحدا بالغا في الإسلام غير مغلوب على عقله يشك أن فرض الله أن الظهر أربع أم هو وجه غير هذا؟.
١٩٠ - قال: بل هو وجه غير هذا.
١٩١ - قلت: فصفه؟.
[ ٢٢ ]
١٩٢- قال: هذا إجماع العلماء دون من لا علم له يجب اتباعهم فيه لأنهم منفردون بالعلم دونهم مجتمعون عليه فإذا اجتمعوا قامت بهم الحجة على من لا علم له وإذا افترقوا لم يقم بهم على أحد حجة وكان الحق فيما تفرقوا فيه أن ترد إلى القياس على ما اجتمعوا عليه فأي حال وجدتهم بها دلتني على حال من قبلهم إن كانوا مجتمعين من جهة علمت أن من كان قبلهم من أهل العلم مجتمعون من كل قرن لأنهم لا يجتمعون من جهة فإن كانوا متفرقين علمت أن من كان قبلهم كانوا متفرقين من كل قرن. وسواء كان اجتماعهم من خبر يحكونه أو غير خبر للاستدلال أنهم لا يجمعون إلا بخبر لازم وسواء إذا تفرقوا حكوا خبرا بما وافق بعضهم أو لم يحكوه لأني لا أقبل من أخبارهم إلا ما أجمعوا على قوله فأما ما تفرقوا في قبوله فإن الغلط يمكن فيه فلم تقم حجة بأمر يمكن فيه الغلط.
١٩٣ - قال: فقلت: له هذا تجويز إبطال الأخبار وإثبات الإجماع لأنك زعمت أن افتراقهم غير حجة كان فيه خبر أو لم يكن فيه.
١٩٤ - وقلت: له ومن أهل العلم الذين إذا أجمعوا قامت بإجماعهم حجة؟.
١٩٥ - قال: هم من نصبه أهل بلد من البلدان فقيها رضوا قوله وقبلوا حكمه.
١٩٦ - قلت: فمثل الفقهاء الذين إذا أجمعوا كانوا حجة أرأيت إن كانوا عشرة فغاب واحد أو حضر ولم يتكلم أتجعل التسعة إذا اجتمعوا أن يكون قولهم حجة؟.
١٩٧ - قال: فإن قلت: لا.
[ ٢٣ ]
١٩٨ - قلت: أفرأيت إن مات أحدهم أو غلب على عقله أيكون للتسعة أن يقولوا؟.
١٩٩ - قال: فإن قلت: نعم.
٢٠٠ - وكذا لو مات خمسة أو تسعة للواحد أن يقول
٢٠١ - قال: فإن قلت: لا؟.
٢٠٢ - قلت: فأي شيء قلت: فيه كان متناقضا!.
٢٠٣ - قال: فدع هذا.
٢٠٤ - قلت: فقد وجدت أهل الكلام منتشرين في أكثر البلدان فوجدت كل فرقة منهم تنصب منها من تنتهي إلى قوله وتضعه الموضع الذي وصفت أيدخلون في الفقهاء الذين لا يقبل من الفقهاء حتى يجتمعوا معهم أم خارجون منهم؟.
٢٠٥ - قال: فإن قلت: إنهم داخلون فيهم؟.
٢٠٦ - قلت: فإن شئت فقله!.
٢٠٧ - قال: فقد قلته!.
٢٠٨ - قال: فما تقول في المسح على الخفين؟.
٢٠٩ - قال: فإن قلت: لا يمسح أحد لأني إذا اختلفوا في شيء رددته إلى الأصل والأصل الوضوء؟.
٢١٠ - قلت: وكذلك تقول في كل شيء؟.
٢١١ - قال: نعم.
٢٠٢ - قلت: فما تقول في الزاني الثيب أترجمه؟.
٢١٣ - قال: نعم.
[ ٢٤ ]
٢١٤ - قلت: كيف ترجمه؟ وممن نص بعض الناس علماء أن لا رجم على زان لقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: من الآية٢] فكيف ترجمه ولم ترد إلى الأصل من أن دمه محرم حتى يجتمعوا على تحليله ومن قال: هذا القول يحتج بأنه زان داخل في معنى الآية وأن يجلد مائة؟.
٢١٥ - قال: إن أعطيتك هذا دخل علي فيه شيء تجاوزه القدر كثرة؟.
٢١٦ - قلت: أجل.
٢١٧ - قال: فلا أعطيك هذا وأجيبك فيه الجواب الأول!.
٢١٨ - قلت: فقل؟.
٢١٩ - قال: لا أنظر إلى قليل من المفتيين وأنظر إلى الأكثر.
٢٢٠ - قلت: أفتصف القليل الذين لا تنظر إليهم أهم إن كانوا أقل من نصف الناس أو ثلثهم أو ربعهم؟.
٢٢١ - قال: ما أستطيع أن أحدهم ولكن الأكثر.
٢٢٢ - قلت: أفعشرة أكثر من تسعة؟.
٢٢٣ - قال: هؤلاء متقاربون!.
٢٢٤ - قلت: فحدهم بما شئت؟.
٢٢٥ - قال: ما أقدر أن أحدهم.
٢٢٦ - قلنا فكأنك أردت أن تجعل هذا القول مطلقا غير محدود فإذا أخذت بقول اختلف فيه قلت: عليه الأكثر وإذا أردت رد قول قلت: هؤلاء الاقل أترضى من غيرك بمثل هذا الجواب؟.
٢٢٧ - رأيت حين صرت إلى أن دخلت فيما عبت من التفرق؟.
[ ٢٥ ]
٢٢٨ - أرأيت لو كان الفقهاء كلهم عشرة فزعمت أنك لا تقبل إلا من الأكثر فقال: ستة فاتفقوا وخالفهم أربعة أليس قد شهدت للستة بالصواب وعلى الأربعة بالخطأ؟.
٢٢٩ - قال: فإن قلت: بلى؟.
٢٣٠ - قلت: فقال: الأربعة في قول غيره فاتفق اثنان من الستة معهم وخالفهم أربعة؟.
٢٣١ - قال: فآخذ بقول الستة.
٢٣٢ - قلت: فتدع قول المصيبين بالاثنين وتأخذ بقول المخطئين بالاثنين وقد أمكن عليهم مرة وأنت تنكر قول ما أمكن فيه الخطأ وهذا قول متناقض.
٢٣٣ - وقلت: له أرأيت قولك لا تقوم الحجة إلا بما أجمع عليه الفقهاء في جميع البلدان أتجد السبيل إلى إجماعهم كلهم ولا تقوم الحجة على أحد حتى تلقاهم كلهم أو تنقل عامة من عامة عن كل واحد منهم؟.
٢٣٤ - قال: ما يوجد هذا.
٢٣٥ - قلت: فإن قبلت عنهم بنقل الخاصة فقد قبلت فيما عبت وإن لم تقبل عن كل واحد إلا بنقل العامة لم نجد في أصل قولك ما اجتمع عليه البلدان إذا لم تقبل نقل الخاصة لأنه لا سبيل إليه ابتداء لأنهم لا يجتمعون لك في موضع ولا تجد الخبر عنهم بنقل عامة عن عامة.
٢٣٦ - قلت: فأسمعك قلدت أهل الحديث وهم عندك يخطئون فيما يدينون به من قبول الحديث فكيف تأمنهم على الخطأ فيما قلدوه الفقه ونسبوه إليه فأسمعك قلدت من لا ترضاه وأفقه الناس عندنا وعند أكثرهم أتبعهم للحديث وذلك أجهلهم لأن الجهل قبول خبر الانفراد
[ ٢٦ ]
وكذلك أكثر ما يحتاجون فيه إلى الفقهاء ويفضلونهم به مع أن الذي ينصف غير موجود في الدنيا!.
٢٣٧ - قال: وكيف لا يوجد؟؟
٢٣٨ - قال: هو أو بعض من حضر معه فإني أقول إنما أنظر في هذا إلى من يشهد له أهل الحديث بالفقه.
٢٣٩ - قلت: ليس من بلد إلا وفيه من أهله الذين هم بمثل صفته يدفعونه عن الفقه وتنسبه إلى الجهل أو إلى أنه لا يحل له أن يفتي ولا يحل لا حد أن يقبل قوله.
٢٤٠ - وعلمت تفرق أهل كل بلد بينهم ثم علمت تفرق كل بلد في غيرهم.
٢٤١ - فعلمنا أن من أهل مكة من كان لا يكاد يخالف قول عطاء ومنهم من كان يختار عليه ثم أفتى بها الزنجي بْن خالد فكان منهم من يقدمه في الفقه ومنهم يميل إلى قول سعيد بْن سالم ومن أصحاب كل واحد من هذين يستضعفون الأخر ويتجاوزون القصد.
٢٤٢ - وعلمت أن أهل المدينة كانوا يقدمون سعيد بْن المسيب ثم يتركون بعض قوله ثم حدثا في زماننا منهم مالك كان كثير منهم يقدمه وغيره يسرف عليه في تضعيف مذاهبهم قد رأيت ابن أبي الزناد يجاوز القصد في ذم مذاهبه ورأيت المغيرة وابن أبي حازم والدراوردي يذهبون من مذاهبه ورأيت من يذمهم.
٢٤٣ - ورأيت بالكوفة قوما يميلون إلى قول ابن أبي ليلى يذمون مذاهب أبي يوسف وآخرين يميلون إلى قول أبي يوسف يذمون مذاهب ابن أبي ليلى وما خالف أبا يوسف وآخرين يميلون إلى قول الثوري وآخرين
[ ٢٧ ]
إلى قول الحسن بْن صالح.
٢٤٤ - وبلغني غير ما وصفت من البلدان شبيه بما رأيت مما وصفت من تفرق أهل البلدان.
٢٤٥ - ورأيت المكيين يذهبون إلى تقديم عطاء في العلم على التابعين وفي بعض العراقين من يذهبون إلى تقديم إبراهيم النخعي.
٢٤٦ - ثم لعل كل صنف من هؤلاء قدم صاحبه أن يسرف في المباينة بينه وبين من قدموا عليه من أهل البلدان.
٢٤٧ - وهكذا رأيناهم فيمن نصبوا من العلماء الذين أدركنا.
٢٤٨ - فإذا كان أهل الأمصار يختلفون هذا الاختلاف فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتي لنقص عقله وجهالته وما كان يحل لفلان أن يسكت يعني آخر من أهل العلم ورأيت من أهل البلدان من يقول ما كان يحل له أن يفتي بجهالته يعني الذي زعم غيره أنه لا يحل له أن يسكت لفضل علمه وعقله.
٢٤٩ - ثم وجدت أهل كل بلد كما وصفت فيما بينهم من أهل زمانهم.
٢٥٠ - فأين اجتمع لك هؤلاء على تفقه واحد أو تفقه عام وكما وصفت رأيهم أو رأي أكثرهم وبلغني عن من غاب عني منهم شبيه بهذا فإن أجمعوا لك على نفر منهم فتجعل أولئك النفر علماء إذا اجتمعوا على شيء قبلته؟.
٢٥١ - قال: وإنهم إن تفرقوا كما زعمت باختلاف مذاهبهم أو تأويل آو غفلة آو نفاسة من بعضهم على بعض فإنما أقبل منهم ما اجتمعوا عليه معا.
[ ٢٨ ]
٢٥٢ - فقيل له فإن لم يجمعوا لك على واحد منهم أنه في غاية فكيف جعلته عالما؟.
٢٥٣ - قال: لا ولكن يجتمعون على أنه يعلم من العلم.
٢٥٤ - قلت: نعم ويجتمعون لك على أن من لم تدخله في جملة العلماء من أهل الكلام يعلمون من العلم فلم قدمت هؤلاء وتركتهم في أكثر هؤلاء أهل الكلام؟.
٢٥٥ - وما أسمك وطريقك إلا بطريق التفرق إلا أنك تجمع إلى ذلك أن تدعي الإجماع!.
٢٥٦ - وإن في دعواك الإجماع لخصالا يجب عليك في أصل مذاهبك أن تنتقل عن دعوى الإجماع في علم الخاصة.
٢٥٧ - قال: فهل من إجماع؟.
٢٥٨ - قلت: نعم نحمد الله كثير في جملة الفرائض التي لا يسع جهلها وذلك الإجماع هو الذي لو قلت: أجمع الناس لم تجد حولك أحدا يعرف شيئا يقول لك ليس هذا بإجماع.
٢٥٩ - فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه ودون الأصول غيرها.
٢٦٠ - فأما ما ادعيت من الإجماع حيث قد أدركت التفرق في دهرك ويحكى عن أهل كل قرن فانظره أيجوز أن يكون هذا إجماعا؟.
٢٦١ - قال: فقال: قد ادعى بعض أصحابك الإجماع فيما أدعى من ذلك فما سمعت منهم أحدا ذكر قوله إلا عائبا لذلك وإن ذلك عندي لمعيب؟.
٢٦٢ - قلت: من أين عبته وعابوه إنما ادعاء الإجماع في فرقة أحرى
[ ٢٩ ]
أن يدرك من ادعائك الإجماع على الأمة في الدنيا!.
٢٦٣ - قال: إنما عبناه أنا نجد في المدينة اختلافا في كل قرن فيما يدعي فيه الإجماع ولا يجوز الإجماع إلا على ما وصفت من أن لا يكون مخالف فلعل الإجماع عنده الأكثر وإن خالفهم الأقل فليس ينبغي أن يقول إجماعا ويقول الأكثر إذا كان لا يروي عنهم شيئا ومن لم يرو عنه شيء لم يجز أن ينسب إلى أن يكون مجمعا على قوله كما لا يجوز أن يكون منسوبا إلى خلافه.
٢٦٤ - فقلت: له إن كان ما قلت: من هذا كما قلت: الذي يلزمك فيه أكثر لأن الإجماع في علم الخاصة إذا لم يوجد في فرقة كان أن يوجد في الدنيا أبعد.
٢٦٥ - قال: وقلت: قولك وقول من قال: الإجماع خلاف الإجماع.
٢٦٦ - قال: فأوجدني ما قلت؟.
٢٦٧ - قلت: إن كان الإجماع قبلك إجماع الصحابة أو التابعين أو القرن الذين يلونهم وأهل زمانك فأنت تثبت عليهم أمرا تسميه إجماعا.
٢٦٨ - قال: ما هو اجعل له مثالا أعرفه؟.
٢٦٩ - قلت: كأنك ذهبت إلى أن جعلت ابن المسيب عالم أهل المدينة وعطاء عالم أهل مكة والحسن عالم أهل البصرة والشعبي عالم أهل الكوفة من التابعين فجعلت الإجماع ما أجمع عليه هؤلاء؟.
٢٧٠ - قال: نعم.
٢٧١ - قلت: زعمت أنهم لم يجتمعوا قط في مجلس علمته وإنما استدللت على إجماعهم بنقل الخبر عنهم وأنك لما وجدتهم يقولون في الأشياء ولا تجد فيها كتابا ولا سنة استدللت على أنهم قال: وا بها من جهة
[ ٣٠ ]
القياس فقلت: القياس العلم الثابت الذي أجمع عليه أهل العلم أنه حق؟.
٢٧٢ - قال: هكذا قلت.
٢٧٣ - وقلت: له قد يمكن أن يكونوا قال: وا ما لم تجده أنت في كتاب ولا سنة وإن لم يذكروه وما يرون لم يذكروه وقال: وا الرأي دون القياس.
٢٧٤ - قال: إن هذا وإن أمكن عليهم فلا أظن بهم أنهم علموا شيئا فتركوا ذكره ولا انهم قال: وا إلا من جهة القياس.
٢٧٥ - فقلت: له لأنك وجدت أقاويلهم تدل على أنهم ذهبوا إلى أن القياس لازم لهم أو إنما هذا شيء ظننته لأنه الذي يجب عليهم؟.
٢٧٦ - قلت: له فلعل القياس لا يحل عندهم محله عندك؟.
٢٧٧ - قال: ما أرى إلا ما وصفت لك.
٢٧٨ - فقلت: له هذا الذي رويته عنهم من انهم قال: وا من جهة القياس توهم ثم جعلت التوهم حجة!.
٢٧٩ - قال: فمن أين أخذت القياس أنت ومنعت أن لا يقال: إلا به؟.
٢٨٠ - قلت: من غير الطريق التي أخذته منها وقد كتبته في غير هذا الموضع.
٢٨١ - قلت: أرأيت الذين نقلوا لك عنهم انهم قال: وا فيما لم تجد أنت فيه خبرا فتوهمت انهم قال: وه قياسا وقلت: إذا وجدت أفعالهم مجتمعة على شيء فهو دليل على إجماعهم أنقلوا إليك عنهم انهم قال: وا من جهة الخبر المنفرد؟.
٢٨٢ فروى ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ شيئا وأخذ به وعن أبي سعيد الخدري في الصرف شيئا وأخذ به وله فيه مخالفون من الأمة.
[ ٣١ ]
٢٨٣ - وروى عطاء عن جابر بْن عبد الله عن النبي ﷺ في المخابرة شيئا وأخذ به وله فيه مخالفون.
٢٨٤ - وروى الشعبي عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ أشياء أخذ بها وله فيها مخالفون من الناس اليوم وقبل اليوم.
٢٨٦ - وروى الحسن عن الرجل عن النبي ﷺ أشياء أخذ بها وله فيها مخالفون من الناس اليوم وقبل اليوم ورووا لك عنهم أنهم عاشوا يقولون بأقاويل يخالف كل واحد منهم فيها قضاء صاحبه وكانوا على ذلك حتى ماتوا؟.
٢٨٧ - قال: نعم قد رووا هذا عنهم.
٢٨٨ - فقلت: له فهؤلاء جعلتهم أئمة في الدين وزعمت أن ما وجد من فعلهم مجمعا لزم العامة الأخذ به ورويت عنهم سننا شتى وذلك قبول كل واحد منهم الخبر على الانفراد وتوسعهم في الاختلاف ثم عبت ما أجمعوا عليه لا شك فيه وخالفتهم فيه فقلت: لا ينبغي قبول الخبر على الانفراد ولا ينبغي الاختلاف وتوهمت عليهم أنهم قاسوا فزعمت أنه لا يحل لأحد أن
يدع القياس ولا يقول إلا بما يعرف.
٢٨٩ - إن قولك الإجماع خلاف الإجماع بهذا وبأنك زعمت أنهم لا يسكتون على شيء علموه وقد ماتوا لم يقل أحد منهم قط الإجماع علمناه.
٢٩٠ - والإجماع أكثر العلم لو كان حيث ادعيته أو ما كفاك عيب الإجماع أن لم يرووا عن أحد بعد رسول الله ﷺ دعوى الإجماع إلا فيما لا يختلف فيه أحد إلا عن أهل زمانك هذا؟.
٢٩١ - فقال: فقد ادعاه بعضهم؟.
[ ٣٢ ]
٢٩٢ - قلت: أفحمدت ما ادعى منه؟.
٢٩٣ - قال: لا.
٢٩٤ - قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما ذممت في أكثر مما عبت ألا تستدل من طريقك أن الإجماع هو ترك ادعاء الإجماع ولا تحسن النظر لنفسك إذا قلت: هذا إجماع فوجدت حولك من أهل العلم من يقول لك معاذ الله أن يكون هذا إجماعا بل فيما ادعيت أنه إجماع اختلاف من كل وجه في بلد أو أكثر من يحكى لنا عنه من أهل البلدان!.
٢٩٥ - قال: وقلت: لبعض من حضر هذا الكلام منهم نصير بك آلى المسئلة عما لزم لنا ولك من هذا.
٢٩٦ - قال: وما هو؟.
٢٩٧ - قلت: أفرأيت سنة رسول الله ﷺ بأي شيء تثبت؟.
٢٩٨ - قال: أقول القول الأول الذي قاله لك صاحبنا.
٢٩٩ - فقلت: ما هو؟.
٣٠٠ - قال: زعم أنها تثبت من أحد ثلاثة وجوه.
٣٠١ - قلت: فاذكر الأولى منها؟.
٣٠٢ - قال: خبر العامة عن العامة.
٣٠٣ - قلت: أكقولكم الأول مثل أن الظهر أربع؟.
٣٠٤ - قال: نعم.
٣٠٥ - فقلت: هذا مما لا يخالفك فيه أحد علمته فما الوجه الثاني؟.
٣٠٦ - قال: تواتر الأخبار.
٣٠٧ - فقلت: له حدد لي تواتر الأخبار بأقل مما يثبت الخبر واجعل
[ ٣٣ ]
له مثالا لنعلم ما يقول وتقول؟.
٣٠٨ - قال: نعم إذا وجدت هؤلاء النفر للأربعة الذين جعلتهم مثالا يروون فتتفق روايتهم أن رسول الله ﷺ حرم شيئا أو أحل استدللت على أنهم بتباين بلدانهم وإن كل واحد منهم قبل العلم عن غير الذي قبله عنه صاحبه وقبله عنه من أداه إلينا ممن لم يقبل عن صاحبه أن روايتهم إذا كانت هكذا تتفق عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالغلط لا يمكن فيها.
٣٠٩ - قال: وقلت: له لا يكون تواتر الأخبار عندك عن أربعة في بلد ولا إن قبل عنهم أهل بلد حتى يكون المدني يروي عن المدني والمكي يروي عن المكي والبصري يروي عن البصري والكوفي يروي عن الكوفي حتى ينتهي كل واحد منهم بحديثة إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ غير الذي روى عنه صاحبه ويجمعوا جميعا على الرواية عن النبي ﷺ للعلة التي وصفت؟.
٣١٠ - قال: نعم لأنهم إذا كانوا في بلد واحد أمكن فيهم التواطؤ على الخبر ولا يمكن فيهم إذا كانوا في بلدان مختلفة!.
٣١١ - فقلت: له لبئس ما نثبت به على من جعلته إماما في دينك إذا ابتدأت وتعقبت!.
٣١٢ - قال: فاذكر ما يدخل علي فيه؟.
٣١٣ - فقلت: له أرأيت لو لقيت رجلا من أهل بدر وهم المقدمون من أثنى الله تعالى عليهم في كتابه فأخبرك خبرا عن رسول الله ﷺ لم تلفه حجة ولا يكون عليك خبره حجة لما وصفت أليس من بعدهم أولى أن لا يكون خبر الواحد منهم مقبولا لنقصهم عنهم في كل فضل وأنه يمكن فيهم ما أمكن فيمن هو خير منهم وأكثر منه؟!.
[ ٣٤ ]
٣١٤ - قال: بلى.
٣١٥ - فقلت: أفتحكم فيما ثبت من صحة الرواية فاجعل أبا سلمة بالمدينة يروي لك أنه سمع جابر بْن عبد الله يروي عن النبي ﷺ في فضل أبي سلمة وفضل جابر واجعل الزهري يروي لك أنه سمع ابن المسيب يقول سمعت عمر أو أبا سعيد الخدري يقول سمعت النبي ﷺ واجعل أبا أسحق الشيباني يقول سمعت الشعبي أو سمعت إبراهيم التيمي يقول أحدهما سمعت البراء بْن عازب أو سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ يسميه واجعل أيوب يروي عن الحسن البصري يقول سمعت أبا هريرة أو رجلا غيره من أصحاب النبي ﷺ يقول سمعت النبي ﷺ بتحليل الشيء أو تحريم له أتقوم بهذا حجة؟.
٣١٦ - قال: نعم.
٣١٧ - فقلت: له أيمكن في الزهري عندك أن يغلط على ابن المسيب وابن المسيب على من فوقه وفي أيوب أن يغلط على الحسن والحسن على من فوقه؟.
٣١٨ - فقال: فإن قلت: نعم؟.
٣١٩ - قلت: يلزمك أن تثبت خبر الواحد على ما يمكن فيه الغلط ممن
لقيت وممن هو دون من فوقه ومن فوقه دون أصحاب النبي ﷺ وترد خبر الواحد من أصحاب النبي ﷺ وأصحاب النبي ﷺ خير ممن بعدهم فترد الخبر بأن يمكن فيه الغلط عن أصحاب رسول الله ﷺ وهم خير الناس وتقبله عن من لا يعدلهم في الفضل لأن كل واحد من هؤلاء ثبت عن ممن فوقه ومن فوقه ومن فوقه ثبت عن ممن فوقه حتى ينتهي الخبر إلى رسول الله ﷺ فهذه الطريق التي عبت!.
[ ٣٥ ]
٣٢٠ – قال: هذا هكذا إن قلته، ولكن رأيت إن لم أعطك هذا هكذا؟.
٣٢١ - قلت: لا يدفع هذا إلا بالرجوع عنه أو ترك الجواب بالروغان والانقطاع والروغان أقبح!.
٣٢٢ - قال: فإن قلت: لا أقبل عن واحد نثبت عليه خبرا من أربعة وجوه متفرقة كما لم أقبل عن النبي ﷺ إلا عن أربعة وجوه متفرقة؟.
٣٢٣ - قال: فقلت: له فهذا يلزمك أفتقول به؟.
٣٢٤ - قال: إذا نقول به لا يوجد هذا أبدا.
٣٢٥ - فقلت: أجل وتعلم أنت أنه لا يوجد أربعة عن الزهري ولا ثلاثة الزهري رابعهم عن الرجل من أصحاب النبي ﷺ.
٣٢٦ - قال: أجل ولكن دع هذا.
٣٢٧ - قال: وقلت: له من قال: أقبل من أربعة دون ثلاثة أرأيت إن قال: لك رجل لا أقبل إلا من خمسة أو قال: آخر من سبعين ما حجتك عليه ومن وقت لك الأربعة؟.
٣٢٨ - قال: إنما مثلتهم.
٣٢٩ - قلت: أفتحد من يقبل منه؟.
٣٣٠ - قال: لا.
٣٣١ - قلت: أو تعرفه فلا تظهره لما يدخل عليك؟!.
٣٣٢ - فتبين انكساره.
٣٣٣ - وقلت: له أو لبعض من حضر معه فما الوجه الثالث الذي يثبت عن النبي ﷺ؟.
[ ٣٦ ]
٣٣٤ - قال: إذا روى عن رسول الله ﷺ الواحد من أصحابه الحكم حكم به فلم يخالفه غيره استدللنا على أمرين أحدهما أنه إنما حدث به في جماعتهم والثاني أن تركهم الرد عليه بخبر يخالفه إنما كان عن معرفة بأن ما كان كما يخبرهم فكان خبرا عن عامتهم.
٣٣٥ - قلت: له قل ما رأيتكم تنتقلون إلى شيء إلا احتججتم بأضعف مما تركتم!.
٣٣٦ - فقال: أبن لنا ما قلت؟.
٣٣٧ - قلت: له أيمكن لرجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث بالمدينة رجلا أو نفرا قليلا ما تثبته عن رسول الله ﷺ ويمكن أن يكون أتى بلدا من البلدان فحدث به واحدا أو نفرا أو حدث به في سفر أو عند موته واحدا أو أكثر؟.
٣٣٨ - قال: فإن قلت: لا يمكن أن يحدث واحدهم بالحديث إلا وهو مشهور عندهم؟.
٣٣٩ - قلت: فقد تجد العدد من التابعين يروون الحديث فلا يسمون إلا واحدا ولو كان مشهورا عندهم بأنهم سمعوا من غيره وسمعوا من سمعوه منه.
٣٤٠- وقد نجدهم يختلفون في الشيء قد روي فيه الحديث عن النبي ﷺ فيقول بعضهم قولا يوافق الحديث وغيره قولا يخالفه.
٣٤٠ - قال: فمن أين ترى ذلك؟.
٣٤١ - قلت: لو سمع الذي قال: بخلاف الحديث الحديث عن النبي ﷺ ما قال: إن شاء الله تعالى بخلافه.
٣٤٢ - وقلت: له قد روى اليمين مع الشاهد عن النبي ﷺ ابن عباس
[ ٣٧ ]
وغيره ولم يحفظ عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ علمته خلافها فيلزمك أن تقول بها على أصل مذاهبك وتجعلها إجماعا!.
٣٤٤ - فقال: بعضهم ليس ما قال: من هذا مذهبنا!.
٣٤٥ - قلت: ما زلت أرى ذلك فيه وفي غيره مما كلمتمونا به والله المستعان.
٣٤٦ - قال: فاليمين مع الشاهد إجماع بالمدينة؟.
٣٤٧ - فقلت: لا هي مختلف فيها غير أنا نعمل بما اختلف فيه إذا ثبت عن رسول الله ﷺ من الطريق الذي يثبت منها.
٣٤٨ - قال: وقلت: له من الذين إذا اتفقت أقاويلهم في الخبر صح وإذا اختلفوا طرحت لاختلافهم الحديث؟.
٣٤٩ - قال: أصحاب رسول الله ﷺ.
٣٥٠ - خبر الخاصة؟.
٣٥١ - قال: لا.
٣٥٢ - قلت: فهل يستدرك عنهم العلم بإجماع أو اختلاف بخبر عامة؟.
٣٥٣ - قال: ما لم أستدركه بخبر العامة نظرت إلى إجماع أهل العلم اليوم فإذا وجدتهم ما أجمعوا عليه استدللت على أن اختلافهم عن اختلاف من مضى قبلهم.
٣٥٣ - قلت: له أفرأيت استدلالا بأن إجماعهم خبر جماعاتهم؟.
٣٥٤ - قال: فتقول ماذا؟.
٣٥٦ - قلت: فأقول لا يكون لأحد أن يقول حتى يعلم إجماعهم في
[ ٣٨ ]
البلدان ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت إلا خبر الجماعة عن الجماعة.
٣٥٧ - قال: فإن قلته؟.
٣٥٨ - قلت: فقله إن شئت!.
٣٥٩ - قال: قد يضيق هذا جدا.
٣٦٠ - فقلت: له وهو مع ضيقه غير موجود.
٣٦١ - ويدخل عليك خلافه في القياس إذا زعمت للواحد أن يقيس فقد أجزت القياس والقياس قد يمكن فيه الخطأ وامتنعت من قبول السنة إذ كان يمكن فيمن رواها الخطأ فأجزت الأضعف ورددت الأقوى!.
٣٦١ - وقلت: لبعضهم أرأيت قولك إجماعهم يدل لو قال: وا لك مما قلنا به مجتمعين ومفترقين ما قبلنا الخبر فيه والذي ثبت مثله عندنا عن من قبلنا ونحن مجموعون على أن جائزا لنا فيما ليس فيه نص ولا سنة أن نقول فيه بالقياس وإن اختلفنا أفتبطل أخبار الذين زعمت أن أخبارهم وما اجتمعت عليه أفعالهم حجة في شيء وتقبله في غيره؟!.
٣٦٣ - أرأيت لو قال: لك قائل أتبعهم في تثبيت أخبار الصادقين وإن كانت منفردة وأقبل عنهم القول بالقياس فيما لا خير فيه فأوسع أن يختلفوا فأكون قد تبعتهم في كل حال أكان أقوى حجة وأولى باتباعهم وأحسن ثناء عليهم أم أنت؟!.
٣٦٤ - قال: بهذا تقول؟.
٣٦٥ - قلت: نعم.
٣٦٦ - وقلت: أو رأيت قولك إجماع أصحاب رسول الله ﷺ ما
[ ٣٩ ]
معناه أتعني أن يقولوا أو أكثرهم قولا واحدا أو يفعلوا فعلا واحدا.
٣٦٧ - قال: لا أعني هذا وهذا غيره موجود ولكن إذا حدث واحد منهم الحديث عن النبي ﷺ ولم يعارضه منهم معارض بخلافه فذلك دلالة على رضاهم به وأنهم علموا أن ما قال: منه كما قال.
٣٦٨ - قلت: أو ليس قد يحدث ولا يسمعونه ويحدث ولا علم لمن سمع حديثه منهم أن ما قال: كما قال: وأنه خلاف ما قال: وإنما على المحدث أن يسمع فأما لم يعلم خلافه فليس له رده.
٣٦٩ - قال: قد يمكن هذا على ما قلت: ولكن الأئمة من أصحاب رسول الله ﷺ فلا يمكن أبدا أن يحدث محدثهم بأمر فيدعوا معارضته إلا عن علم بأنه كما قال.
٣٧٠ - وقال: فأقول فإذا حكم حاكمهم فلم يناكروه فهو علم منهم بأن ما قال: الحق وكان عليهم أن يقيموا ما حكم فيه.
٣٧١ - قلت: أفيمكن أن يكونوا صدقوه بصدقه في الظاهر كما قبلوا شهادة الشاهدين بصدقهما في الظاهر؟.
٣٧٢ - قال: فإن قلت: لا؟.
٣٧٣ - فقلت: إذا قلت: لا فيما عليهم الدلالة فيه بأنهم قبلوا خبر الواحد وانتهوا إليه علمت أنك جاهل بما قلنا وإذا قلت: فيما يمكن مثله لا يمكن كنت جاهلا بما يجب عليك!.
٣٧٤ - قال: فتقول ماذا؟.
٣٧٥ - قلت: أقول إن صمتهم عن المعارضة قد يكون عن علم بما قال: وقد يكون عن غير علم به ويكون قبولا له ويكون عن وقوف عنه ويكون أكثرهم لم يسمعه لا كما قلت: واستدلال عنهم فيما سمعوا قوله
[ ٤٠ ]
ممن كان عندهم صادقا ثبتا.
٣٧٦ - قال: فدع هذا.
٣٧٧ - قلت: لبعضهم هل علمت أن أبا بكر في إمارته قسم فسوى فيه بين الحر والعبد وجعل الجد أبا؟.
٣٧٨ - قال: نعم.
٣٧٩ - قلت: فقبلوا منه القسم ولم يعارضوه في الجد حياته؟.
٣٨٠ - قال: نعم ولو قلت: عارضوه في حيالة؟!.
٣٨١ - قلت: فقد أراد أن يحكم وله مخالف؟!.
٣٨٢ - قال: نعم ولا أقوله!.
٣٨٣ - قال: فجاء عمر ففصل الناس في القسم على النسب والسابقة وطرح العبيد من القسم وشرك بين الجد والإخوة؟.
٣٨٤ - قال: نعم.
٣٨٥ - قلت: وولي علي فسوى بين الناس في القسم؟.
٣٨٦ - قال: نعم.
٣٨٧ - قلت: فهذا على أخبار العامة عن ثلاثتهم عندك؟.
٣٨٨ قال: نعم.
٣٨٩ - قلت: فقل فيها ما أحببت؟.
٣٩٠ - قال: فتقول فيها أنت ماذا؟.
٣٩١ - قلت: أقول إن ما ليس فيه نص كتاب ولا سنة إذا طلب بالاجتهاد فيه المجتهدون وسع كلا إن شاء الله تعالى أن يفعل ويقول بما رآه حقا لا على ما قلت: فقل أنت ما شئت؟.
[ ٤١ ]
٣٩٢ - قال: لئن قلت: العمل الأول يلزمهم فإنه ينبغي للعمل الثاني والثالث أن يكون مثله لا يخالفه ولئن قلت: بل لم يكونوا وافقوا أبا بكر على فعله في حياته ليدخل علي أن له أن يمضي له اجتهاده وإن خالفهم.
٣٩٣ - قلت: أجل.
٣٩٤ - قال: فإن قلت: لا أعرف هذا عنهم ولا أقبله حتى أجد العامة تنقله عن العامة فتقول عنهم حدثنا جماعة ممن مضى قبلهم بكذا؟.
٣٩٥ - فقلت: له ما نعلم أحدا شك في هذا ولا روى عن أحد خلافه فلئن لم تجز أن يكون مثل هذا ثابتا فما حجتك على أحد إن عارضك في جميع ما زعمت أنه إجماع بأن يقول مثل ما قلت.
٣٩٦ - فقال: جماعة ممن حضر منهم فإن الله ﷿ ذم على الاختلاف فذممناه؟.
٣٩٧ - فقلت: له في الاختلاف حكمان أم حكم؟.
٣٩٨ - قال: حكم.
٣٩٨ - قلت: فأسألك؟.
٤٠٠ - قال: فسل؟.
٤٠١ - قلت: أتوسع من الاختلاف شيئا؟.
٤٠٢ - قال: لا.
٤٠٣ - قلت: أفتعلم من أدركت من أعلام المسلمين الذين أفتوا عاشوا أو ماتوا وقد يختلفون في بعض أمور عن من قبلهم؟.
٤٠٤ - قال: نعم.
٤٠٥ - قلت: فقل فيهم ما شئت؟.
[ ٤٢ ]
٤٠٦ - قال: فإن قلت: قال: وا بما لا يسعهم.
٤٠٧ - قلت: فقد خالفت اجتماعهم.
٤٠٨ - قال: أجل
٧٠٩ - قال: فدع هذا!.
٤١٠ - قلت: أفيسعهم القياس؟.
٤١١ - قال: نعم.
٤١٢ - قلت: فإن قاسوا فاختلفوا يسعهم أن يمضوا على القياس؟.
٤١٣ - قال: فإن قلت: لا.
٤١٤ - قلت: فيقولون إلى أي شيء نصير؟.
٤١٥ - قال: إلى القياس.
٤١٦ - قلت: قال: وا قد فعلنا فرأيت القياس بما قلت: ورأى هذا القياس بما قال.
٤١٧ - قال: فلا يقولون حتى يجتمعوا.
٤١٨ - قلت: من أقطار الأرض؟.
٤١٩ - قال: فإن قلت: نعم؟.
٤٢٠ - قلت: فلا يمكن أن يجتمعوا ولو أمكن اختلفوا.
٤٢١ - قال: فلو اجتمعوا لم يختلفوا.
٤٢١ - قلت: قد اجتمع اثنان فاختلفا فكيف إذا اجتمع الأكثر؟.
٤٢٣ - قال: ينبه بعضهم بعضا!.
٤٢٤ - قلت: ففعلوا فزعم كل واحد من المختلفين أن الذي قال القياس.
[ ٤٣ ]
٤٢٥ - قال: فإن قلت: يسع الاختلاف في هذا الموضوع.
٤٢٦ - قلت: قد زعمت أن في اختلاف كل واحد من المختلفين حكمين وتركت قولك ليس الاختلاف إلا حكما واحدا.
٤٢٧ - قال: ما تقول أنت؟.
٤٢٨ - قلت: الاختلاف وجهان:
٤٢٩ - فما كان لله فيه نص حكم أو لرسوله سنة أو للمسلمين فيه إجماع لم يسع أحدا علم من هذا واحدا أن يخالفه.
٤٣٠ - وما لم يكن فيه من هذا واحد كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة.
٤٣١ - فإذا اجتهد من له أن يجتهد وسعه أن يقول بما وجد الدلالة عليه بأن يكون في معنى كتاب أو سنة أو إجماع.
٤٣٢ - فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره وسعه أن يقول بشيء وغيره بخلافه وهذا قليل إذا نظر فيه.
٤٣٣ - قال: فما حجتك فيما قلت؟.
٤٣٤ - قلت: له الاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع.
٤٣٥ - قال: فاذكر الفرق بين حكم الاختلاف؟.
٤٣٦ - قلت: له قال: الله ﷿: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: من الآية١٠٥]
٤٣٧ - وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ﴾ [البينة: من الآية٤] .
[ ٤٤ ]
٤٣٨ - فإنما رأيت الله ذم الاختلاف في الموضع الذي أقام عليهم الحجة ولم يأذن لهم فيه.
٤٣٩ - قال: قد عرفت هذا فما الوجه الذي دلك على أن ما ليس فيه نص حكم وسع فيه الاختلاف؟.
٤٤٠ - فقلت: له فرض الله على الناس التوجه في القبلة إلى المسجد الحرام فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٩] أفرأيت إذا سافرنا واختلفنا في القبلة فكان الأغلب علي أنها في جهة والأغلب على غيري في جهة، ما الفرض علينا؟.
٤٤١ - فإن قلت: الكعبة فهي وإن كانت ظاهرة في موضعها فهي مغيبة عن من نأى عنها فعليهم أن يطلبوا التوجه لها غاية جهدهم على ما أمكنهم وغلب بالدلالات في قلوبهم فإذا فعلوا وسعهم الاختلاف وكان كل مؤديا للفرض عليه بالاجتهاد في طلب الحق المغيب عنه.
٤٤٢ - وقلت: وقال الله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقال: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: من الآية٢] . أفرأيت الفرض علينا حاكمين شهد عندهما شاهدان بأعيانهما فكان عند أحد الحاكمين عدلين وعند الآخر غير عدلين؟.
٤٤٣ - قال: فعلى الذي هما عنده عدلان أن يجيزهما وعلى الآخر الذي هما عنده غير عدلين أن يردهما.
٤٤٤ - قلت: له فهذا الاختلاف؟.
٤٤٥ - قال: نعم.
٤٤٦ - فقلت: له أراك إذن جعلت الاختلاف حكمين؟.
[ ٤٥ ]
٤٤٧ - فقال: لا يوجد في المغيب إلا هذا وكل وإن اختلف فعله وحكمه فقد أدى ما عليه.
٤٤٨ - قلت: فهكذا قلنا.
٤٤٩ - وقلت له: قال الله ﷿: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: من الآية٩٥] . فإن حكم عدلان في موضع بشيء وآخران في موضع بأكثر أو أقل منه فكل قد اجتهد وأدى ما عليه وإن اختلفا.
٤٥٠ - وقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا﴾ [النساء: من الآية٣٤]
٤٥١ - وقال ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: من الآية٢٢٩] .
٤٥٢ - أرأيت إذا فعلت امرأتان فعلا واحدا وكان زوج إحداهما يخاف نشوزها وزوج الأخرى لا يخاف به نشوزها؟.
٤٥٣ - قال: يسع الذي يخاف به النشوز العظة والهجرة والضرب ولا يسع الآخر الضرب.
٤٥٤ - وقلت: وهكذا يسع الذي يخاف أن لا تقيم زوجته حدود الله الأخذ منها ولا يسع الآخر وإن استوى فعلاهما؟.
٤٥٥ - قال: نعم.
٤٥٦ - قال: قال: وإني وإن قلت: هذا فلعل غيري يخالفني وإياك ولا يقبل هذا منا فأين السنة التي دلت على سعة الاختلاف؟.
٤٥٧ - قُلْتُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بن
[ ٤٦ ]
الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذا حكم الحاكم فاجتهدفأصاب فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ".
٤٥٨ - قَالَ: يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو بن خزم فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٤٥٩ - قال: وماذا؟.
٤٦٠ - قلت: ما وصفنا من أن الحكام والمفتيين إلى اليوم قد اختلفوا في بعض ما حكموا فيه وأفتوا وهم لا يحكمون ويفتون إلا بما يسعهم عندهم وهذا عندك إجماع، فكيف يكون إجماعا إذا كان موجودا في أفعالهم الاختلاف
[ ٤٧ ]