ترك المص هنا تعريف العام لأنه ذكره في الفصل السادس من الباب الأول وقد قدمنا هناك ما اقتضاه المقام من التفرقة بين العام والكلي وتركنا التعرض إلى الخوض في تحقيق تعريف المص إلى هنا لأن هذا مظنته سوى أننا أشرنا إشارة إلى شيء من تحقيق التعريف وإذ قد أفضت النوبة الآن إليه فلا علينا إن لم يذكر شيء من كلام المصنف. اعلم أن المص اخترع تعريفًا للعام بقوله "الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله" فخرج بقوله لمعنى كلي المشترك اللفظي لأنه موضوع لأكثر من معنى وخرج بقوله بقيد تتبعه في محاله المطلق والنكرات لأنها موضوعة لمعان كلية بلا قيد فيكفي في إطلاقها صدقها على بعض ما تدل عليه. ويرد على هذا التعريف أنه إن أراد بالموضوع ما هو المتبادر من معنى الوضع أعني الوضع العيني الحقيقي وهو جعل المعين دليلًا على المعنى المعين فسد التعريف لأن صيغ العموم قضايا لا مفردات والعموم عارض للألفاظ عند استعمالها واتصالها بأداة من أدوات العموم وليس هو من مدلولات الألفاظ الموضوعة هي لها والقضايا ليست موضوعة بل معناها حاصل من الإسناد فإن صيغ العموم تحصل من اجتماع جنس مدخول لكلمة تدل على الإحاطة فالمعنى الكلي مستفاد من اسم الجنس وقيد
[ ١ / ٢٠١ ]
التتبع مستفاد من أداة الإحاطة فلا يصح أن يدعي كون اللفظ موضوعًا لمعنى بقيد التتبع لظهور أن الدال على المعنى غير الدال على القيد. وإن أراد من قوله الموضوع الوضع النوعي وهو وضع المركبات صح التعريف في الجملة إلا أن هذا الإطلاق مجاز غير مشهور ولا قرينة عليه وذلك خلل في الحد على ما في ذكر الوضع بقيد من توهم كون الموضوع لفظًا واحدًا وهو خلاف الواقع ولكن العذر للمصنف فإن الحدود التي ذكرها من قبله مدخولة وأقر بها للاستقامة حد أبي الحسين البصري وهو قوله "اللفظ المستغرق لما يصلح له) ومراده أن اللفظ المفرد وهو اسم الجنس يصير مستغرقًا لما يصلح له أي لما يدل عليه من الإفراد ويصلح لأن يشمله على سبيل البديلة إذا الصلوحية هي الدلالة على جميع الأفراد على سبيل البدلية وهي معنى المطلق كما أشار له المص في أول الباب الثاني من كتاب العقد المنظوم ولفظ الصلوحية يفهم منه عدم التناول بالفعل لجميع الأفراد قبل دخول أداة العموم فيندفع ما أورده عليه ابن الحاجب في المختصر والمص في العقد المنظوم من أنه غير مانع لصدقه على أسماء الأعداد لشمولها كل ما تصلح له وهو إيراد ناشئ عن عدم ظهور مراد أبي الحسين من قوله يصلح واختياره له دون أن يقول يدل الآن العشرة وضعت من أول الأمر للآحاد المعروفة فهي تتناول جميعها كلما أطلقت لأن تناولها وضعي كدلالة المركب على جملة أجزائه وليس ذلك محتاجًا إلى دخول أداة عليها ولا هي دالة على فرد مبهم من الآحاد على وجه البدلية فلا يسمى ذلك استغراقًا ولا صلوحية كما يتضح بمزيد التأمل نعم إن تعريف أبي الحسن غير ظاهر في مراده. وعرف الغزالي العام بقوله "اللفظ
[ ١ / ٢٠٢ ]
الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا" فاحترز بالواحد عن نحو ضرب زيد عمرًا من المركبات الدالة على أمرين وبقوله الدال من جهة واحدة عن المشترك لأنه يدل على أكثر من شيء بوضعين وبأكثر من جهة وقوله فصاعدًا أتى به لتحقيق معنى العموم والظاهر أنه قصد به إخراج المثنى أيضًا. ويرد عليه أمورًا أحدها قال ابن الحاجب: يخرج عنه الموصولات مع صلاتها لأنها ليست لفظًا واحدًا. ثانيها قال يدخل فيه المثنى والمعهود والنكرة. ثالثها أقول: يرد عليه أن وصف لفظ العموم بكونه دالًا يقتضي كون العموم مستفادًا من الصيغة وضعًا إذ الدلالة هي فهم المعنى من اللفظ وضعًا وليس الاستغراق كذلك لأنه لا مطابقة لا تضمن ولا التزام بل هو مستفاد من تركيب اسم الجنس مع أداة الإحاطة والاستفادة أعم من الدلالة إذ الدلالة من أوصاف المفردات بحسب الوضع والاستفادة كل ما يستفاد من الكلام وضعًا أو عرفًا أو عقلًا صراحة أو تعريضًا في المفردات والمركبات فإن تعريق الإكرام على المجيء في قولك إن جاء زيدًا أكرمته مستفاد وليس مدلولًا فلعل ذكر الغزالي لكلمة الدال مبني على ما بني عليه المص والإمام من كون العموم موضوعًا وهو تسامح شائع. واختار الإمام في المحصول تعريفين أولهما تعريف أبي الحسين وزاد عليه "بحسب وضع واحد" فيرد عليه ما أوردناه على المص في دعوى كون العموم موضعًا وثانيهما مقتضب من تعريف الغزالي وهو "اللفظ الدال على شيئين فصاعدًا من غير حصر" وهو يشمل الجموع. ويرد عليه ما ورد على الغزالي في كلمة الدال. واختار ابن الحاجب في تعريفه "ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه
[ ١ / ٢٠٣ ]
مطلقًا ضربة" فأخرج بقوله باعتبار أمر أسماء الأعداد وبقوله مطلقًا المعهود لاحتياجه إلى العهد وبقوله ضربه أخرج دلالة النكرة على الإفراد على سبيل البدل والصلوحية ويرد عليه أنه لا يشمل ما دل على مسميين وبأن ما التي وقعت في التعريف مجهولة الما صدق فإن صدقت على اللفظ يرد عليه ما ورد على الغزالي من إطلاق الدلالة على الاستفادة وإن صدقت على قضية صح لكن فيه استعمال المجهول في التعريف. وتحقيق هذا المقام أن البحث في العام عن ثلاثة أمور العموم. واللفظ المستغرق وهو العام. والصيغ الدالة على العموم في ذلك اللفظ. فأما الأول فهو شمول جميع ما يصلح اسم الجنس للدلالة عليه بحيث لا يبقى فرد من مدلوله لأن العموم في اللغة الإحاطة والشمول تقول عممت الناس بالكرم. والثاني هو اسم الجنس الذي صار شاملًا لجميع أفراده نصًا لانضمامه إلى ما يدل على الشمول وضعًا واستعمالًا فالاسم هو معروض العموم ومتعلقه على وزان متعلق معنى الحرف مع الحرف. والثالث هو القضية الدالة على ثبوت حكم محمولها لسائر الأفراد الدال هو عليها فردًا فردًا. فإذا تقرر هذا ظهر أن أبا الحسين والغزالي والبقية قصدوا إلى التعريف الثاني وهو اللفظ الذي عرض له العموم وزاد الغزالي والإمام والمص فأوهموا أن هذا اللفظ موضوع للعموم. وهمة الأصولي لا ينبغي أن تنصرف إلا لبيان معنى العموم لأنه معنى يعرض للألفاظ كما يعرض لها مفهوم المخالفة أو لبيان صيغة التنبيه على مواقعه كما ينبه على مواقع المفهوم فأما الاشتغال بتعريف اللفظ العام فقليل الأهمية لأنه ليس قسمًا مستقلًا من الألفاظ بمعناه بل عمومه يحصل له من غيره وهو الصيغة فليس هو مثل المجمل مثلًا إذ المجمل يعرض له
[ ١ / ٢٠٤ ]
الإجمال من تلقاء دلالته على المعنى لا بواسطة غيره لا سيما إذا انضم إلى بحثهم هذا ما يوهم أن العام ضرب من ضروب الألفاظ ي الوضع كما فعل المص وغيره حتى احتاج كثير ممن تمشي في وهمه هذا إلى البحث عن التفرقة بين المقدار الموضوع له العام والموضوع له الكلي والموضوع له المشترك كما قدمه المص في الباب الأول وحتى أولع المشتغلون بهذا العلم بعدهم بهاته التفرقة والتساؤل عن ألفاظ العموم ومع ذلك يمر عليهم قول العلماء "العموم من عوارض الألفاظ" وقولهم "مدلول العام كلية لا كلي ولا كل" فلا يعبأون بها أكثر مما تلوكها ألسنتهم ولا تنفتح لها أفئدتهم.