تقدم في باب الأوامر وجه جمع نهي على نواهي (لوقه لأن عناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بجلب المصالح الخ) المفسدة ما في وجوده فساد وضرر وليس في تركه نفع زائد على السلامة من ضرره والمصلحة ما في وجوده صلاح نفع وليس في تركه ضرر زائد على فقدان صلاحه ولا شك أن دفع الضرر والسلامة من الألم قبل جلب النفع والملائم عند كل مدرك حتى الحيوان فيما يدركه فإذا كان في شيء ضرر وفي تركه نفع أو بالعكس فهو مصلحة ومفسدة باعتبارين وطرف درء المفسدة هو المقدم أبدًا (قوله والنهي يعتمد المفاسد الخ) إشارة إلى أنهما وإن كانا متلازمين إلا أن اختيار أحدهما في بعض الأفعال والآخر في بعض آخر سببه هو النظر للمقصدة الأولى
[ ١ / ١٩٢ ]
من الفعل فإن كان مفسدة ورد النهي عنه دون الأمر بتركه وإن كان مصلحة ورد الأمر به دون النهي عن ضده فلذلك كان النهي مظنة لكون مورده مفسدة وهو مبنى القول بالتفرقة في مجمليهما (قوله قلت للشيخ عز الدين بن عبد السلام الخ) إيراد قوي والقصد منه خفاء استقامة هذا القول مع أن الإمام ممن ارتضاه وجواب العز بن عبد السلام حاصله أن المنظور إليه في الخلاف هو مدلول صيغة النهي بحسب الوضع هل هو الانكفافان المتعددة في جميع الأزمان التي تسعها أم هو انكفاف واحد في الأزمنة كلها والمئال واحد والعصيان محقق في كل زمان فيندفع الفساد اللازم لهذا المذهب من اقتضائه تحقق امتثال النهي بترك واحد في زمن ما وهو جواب مشكل لأن بين كون الانكفاف واحدًا وبين كونه في أزمنة متعددة تنافيًا واضحًا لأنه إن كان المراد انكفافًا واحدًا موسعًا يأتي به المكلف في أي وقت شاء من أزمنة عمره لم يندفع الإشكال المبني على أن ما من عاص إلا وهو منكف في زمن ما وإن كان المراد تعدد الانكفاف بتعدد الزمان فهو مناف لكونه انكفافًا واحدًا ومخالف لقصد التفرقة بين المذهبين وإلى نحو هذا أشار المص في التوجيه الأول من وجهي الاعتراض ولأن أصحاب هذا المذهب صرحوا بما يقتضي أنهم لا يعنون من عدم التكرار إلا عدم دلالته على تعدد الكف في الأزمنة المتعددة بل يدل على كف واحد في زمن ما فلا يقرر مذهبهم بما يخالف صرائح أقوالهم كما أشار له في الوجه الثاني فالظاهر أنه أراد مدلول صيغة النهي كف واحد لأن النهي يقتضي كفالا كاقتضاء الأمر فعلًا والكل إنما يدل وضعًا على الماهية لكن
[ ١ / ١٩٣ ]
الأمر لما اقتضى الإيجاب حصل المطلوب منه بالفعلة الواحدة والنهي لما اقتضى الإعدام كان الفرد المبهم أعني الذي تتحقق فيه الماهية داخلًا في حيز العدم فعرض له العموم وهو معنى عموم الأزمان التزامًا كما قال الذين ادعوا أن عموم النكرة في سياق النفي بالالتزام لا بالوضع إلا أن تمثيله بأكرم رجلًا في جميع الأيام بعيد عن هذا. اللهم إلا يكون ذلك تصويرًا لكيفية وقوع مطلق في عام لا لموضوع المسألة (قوله والذي أراه في دفع هذا الإشكال العظيم الخ) حاصله أن النهي لمطلق الترك ومطلق الترك متردد بين كونه في كل زمان وكونه في زمن معين فإذا تعذر أحد النوعين تعين الآخر فمتى وجد دليل على التعيين أو الاستغراق حمل عليه وإلا فهو مجمل هذا حاصله مع بيانه. وأنت ترى أنه لا يغني عن هذا المذهب من التأييد شيئًا لأن الخلاف في غير ما قامت عليه القرينة فأصحاب هذا المذهب يرونه موضعًا للقدر المشترك كما صرح
[ ١ / ١٩٤ ]
به المص وغير واحد وهو مطلق الترك فلا يقتضي التكرار ولا عدمه والمص يعده مشتركًا مجملًا كما يستلزمه تقريره عند الكشف عن تطويله وشتان بين الأمرين القدر المشترك واللفظ المشترك فإن الأول كلي والثاني جزئي مكرر الوضع ولا تنس أن المص قابل لبينهما في عد المذاهب في مقتضى صيغة الأمر فتذكره على أنه يقتضي أن أكثر النواهي وهي عرية عن القرائن مجملات غير مبينة إذ لم يحفظ بيانها وبقاء المجمل غير مبين لا يصح على أنه يقتضي كثرة المجملات في الشريعة مع أن كثيرًا من العلماء ينكر وقوع المجمل أصلًا في الكتاب والسنة فكيف نجعل غالب النواهي منها. فالوجه الاعتماد على الجواب الذي قدمناه (قوله عند أبي هاشم الخ) هو عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بحاء مهملة مضمومة ابن ابان الجباءي مولى عثمان بن عفان كان شيخ المعتزلة ولد سنة ٢٧٧ سبع وسبعين ومايتين وتوفي سنة ٣٢١ أحد وعشرين وثلاثمائة ببغداد ودفن بمقابل الخيزران في باب البستان
[ ١ / ١٩٥ ]
من الجانب الشرقي وله كتب كثيرة في الكلام ووالده شيخ المعتزلة أبو علي الجباءي كذا ذكره الخطيب في تاريخ بغداد.