أراد من الأدوات الصيغ لأنها أعم لأن من الصيغ مالا يحصل بأداة بل بالعرف كالفحوى أو بالعقل كترتيب الحكم على الوصف. ثم إن صيغ العموم إنهاها المص في الباب الثاني عشر من العقد المنظوم إلى مأيتين وخمسين صيغة بما لا يخلو عن ترادف أو تداخل وأرجعها في الفصل الثاني من الباب الرابع عشر منه ثلاثة عشر قسمًا استفهامات. وتأكيدات. ومحليات بال. ومنفيات. وشروط. وأخبار مثبتة. وظروف. وأعداد معدولة مثل سداس. ونواهي. وأوامر معدولة مثل تراك ومناع. وأسماء أفعال أمرز ونهي. وما نقله العرف للعموم (قوله ومعنى قولي فيه نظر أن من وما أيضًا لا يفيدان العموم إلا بإضافة لفظ آخر الخ) قد يجاب عن الإمام بأ، قوله "وهي إما أن تكون موضوعة" يريد منه أن قسمًا من أدوات
[ ١ / ٢٠٥ ]
العموم وضعه الواضع ليدل بذاته على الإحاطة والاستغراق نحو كل وجميع وأيان وأينما وقسمًا صادر إلا على العموم بضمة شيء غليه مثل من وما في الشرط والأسماء الموصولة مع الصلة فعمومها من جهة الاستعمال مثل النكرة في سياق النفي ولا شبهة أن القسم الأول محتاج أيضًا لمتعلق يظهر فيه معنى العموم شأن سائر الأدوات والمص نظر إلى احتياج كلا القسمين لشيء معه ليفيد معنى العموم فبنى على ذلك بحثه في كلام الإمام والحق أن كلام الإمام أدق فتأمل (قوله واما من وما فاشترط الإمام فخر الدين أن يكونا في الشرط الخ) سيأتي الكلام على حكمهما في الاستفهام. وأما الشرطيتان فللعموم أما الموصولتان فهما من المعارف والمعارف جزءية ولكن عرض العموم لمدلول الصلة لأن المراد منهما مع الصلة كل من ثبت له حكم الصلة نحو من سرق وجب قطعة والشرطيتان مأخوذتان من الموصولتين لأن الشرط عبارة عن عرض التعليق لأدوات الاستفهام والموصولية ولهذا اشترك الشرط والموصول في أحكام وكان الخيار للمتكلم في الجزم وعدمه على التقديرين فالعموم مع الشرط عارض من جهة التعليق على مضمون الجملة ألا ترى أنه لو أريد بالصلة أو الشرط معين نحو من جاءك بالأمس رجل عالم ومن يأتك من عندي فادفع إليه لم يكن ثم عموم. فالحاصل أن العموم من عوارض التراكيب لا من معاني المفردات
[ ١ / ٢٠٦ ]
(قوله فيه إشكال من جهة أن لام التعريف الخ) حاصل الأشكال أن المفرد يدل على الجنس مطلقًا لأن الأفراد ليس حالة وجودية اللفظ بل هو حالة عدمية أي كون اللفظ غير مثنى ولا مجموع فإذا دخل عليه حرف الاستغراق دل على استغراق الجنس فردًا فردًا وأما الجمع فحالة وجودية للفظ فإذا دخل عليه حرف الاستغراق أفاد شمول الجنس لكن بقيد الجمعية أي شمول جموع الجنس إلا أن هذا إن وقع في حيز الإثبات كان مئاله إلى معنى استغراق المفرد لأن شمول الجموع يتضمن شمول مفرداتها إذ الجموع إنما تتكون من الأفراد فيدل الجمع المستغرق على استغراق الآحاد بالتضمين كما أشار له في المطول وأما إذ وقع في حيز النفي أو النهي فهو محل الإشكال كما صرح به المص لأن نفي الجموع والنهي عنها الذي هو ملحق بالنفي لا يستلزم نفي الآحاد فكيف حكوا دلالته على الاستغراق إذا تعرف بأل ووقع بعد النفي وهل هذا الإطلاق في حكايتهم صحيح أم يجب تقيده. وحاصل الجواب الذي أشار له المص أن إطلاق الايمة صحيح بدليل ما صرح به صاحب الكشاف في قوله تعالى والله يحب المحسنين وقوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما ودلالته على ذلك ليس بالوضع المطابقي لما علمت من أن التركيب لا يقتضي ذلك ولا بالتضمن ولا بالالتزام لانتفاء جميع ذلك ولكن الجمع المعرف بأل الاستغراقية استعمل مع النفي في معنى المفرد مجازًا بالإطلاق والتقييد وال هي القرينة وشاع ذلك في لسانهم حتى صار حقيقة عرفية وهذا معنى قولهم أن أل الاستغراقية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية الدليل على ذلك تتبع موارد استعمالهم وبهذا يندفع توهم صاحب
[ ١ / ٢٠٧ ]
المفتاح وصاحب التلخيص أن استغراق المفرد مع أل أشمل من استغراق الجمع وخيله لهما النظر إلى ما تقتضيه معاني التركيب بحسب الوضع الحقيقي دون الاستعمالي العري في سائر المقامات الخطابية مع النظر أيضًا إلى أن المفرد المعرف بأل إذا أريد به بعض الجنس دون الاستغراق صح أن يبلغ بالبعض فيه إلى الواحد كما في قوله تعالى وأخاف أن يأكله الذئب دون الجمع المعرف فلا يصح أن يبلغ به إلا إلى أقل الجمع إلا عند التجوز كما في قولهم فلان يركب الخيل وإنما يركب واحدًا وقد صرح صاحب الكشاف بأنه مجاز ونظره بقولهم بنو فلان قتلوا زيدًا وإنما قتله واحد منهم فظن صاحب الفتاح وملخصه أن ذلك أيضًا ثابت في حالة إرادة الاستغراق هذا خلاصة هذا المبحث المعدود من مشكلات مسائل البلاغة (قوله والمعلق عليها مطلق الخ) أي عرفا وهذه القاعدة أخت القاعدة التي تقدمت عن العز بن عبد السلام في مبحث اقتضاء النهي التكرار وقد بينها المص في المسألة الخامسة من الفرق الرابع
[ ١ / ٢٠٨ ]
(قوله وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب الخ) نقض المص دعوى كلية عموم النكرة في سياق النفي بتصريح النحاة بسلب العموم عن بعض النكرات في سياق النفي وذكر على ذلك ثلاثة شواهد الأول النكرة المعمولة للا اخت ليس. الثاني كل الواقعة في حيز النفي وهي نكرة إذ لا تتعرف. الثالث زيادة من عند قصد التعميم فلو كان العموم مستفادًا من النفي ما احتيج إلى زيادة من ثم جزم بأن مراد الأصوليين خصوص النكرات العامة نحو أحد وعريب وديار. ويجاب: بأن الأصوليين ما قصدوا أن النكرة حيثما وقعت في سياق النفي عمت كما أنهم لم يريدوا قصر ذلك على النكرات التي عدها المص بل أرادوا أن النكرة في سياق النفي يعرض لها العموم غالبًا فأطلقوا عبارتهم لأجل الأغلبية (قوله إذا قلت لا رجل في الدار بالرفع لا تعم الخ) أي لا تكون نصًا ف العموم إلا أنهم صرحوا بأنها ظاهرة في العموم لكن تحتمل نفي الوحدة احتمالًا ضعيفًا لأن استعمال النكرة في الوحدة دون الجنس مجاز غير مشهور إذ الاسم يدل على معناه المأخوذ من مادته وإذا حكم عليه فالمقصود الحكم على ذلك المعنى. وأما دلالته على الوحدة فهو من باب دلالة عدم وجود علامة تثنية أو جمع على أنه باق على الوحدة لأن التحقيق أن الأفراد ليس مقصودًا من وضع الصيغة بل استفيد من عدم وجود علامة تثنية أو جمع وليس هو كدلالة صيغة الفعل على زمانه لأن صيغة الفعل مقصودة بالوضع لذلك إذ الزمان جزء من مفهومه لا يعقل إلا به وحروف الحدث ركبت على الهيئة المخصوصة للدلالة على الحدث. والزمان المخصوص فمن لطائف الوضع جعل اللفظ المركب من حدث وهيئة دالًا على المعنى المركب من الحدث
[ ١ / ٢٠٩ ]
والزمان فهو لفظ مفرد دال على ماهية بقيد كما يدل لفظ رجل على الإنسانية بقيد الذكورة. أو لفظ زيد على الإنسانية بقيد التشخيص بخلاف الوحدة في النكرة فقد يعقل معنى الاسم ولا يخطر بالبال كونه واحدًا ولأن الوحدة لو كانت مقصودة بالوضع لوضعت صيغة تدل على التثنية والجمع وليس كذلك إذ هما مستفادان من العلامة التي تزاد على الاسم ويجوز العدول عنها إلى غيرها من العطف أو التصريح بكلمة جمع واثنين أو نحو ذلك فلم تنحصر الدلالة فهيا بخلاف دلالة الصيغة على زمن الفعل. إذا تقرر هذا فإذا قصد من الصيغة الافراد كان استعمالا للفظ في غير ما وضع له لأنه إن ريد منه حينئذ الصيغة مع أصل المعنى ففيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ولذلك كان هذا القصد قليل في كلامهم ومحتاجًا للقرائن فلا ينافي وجود هذا الاحتمال عدها في صيغ العموم فسموا لا اخت ليس نافية للجنس على سبيل الظهور لقصد بيان أرجحية لا التبرئة عليها وكلام النحاة لا يجافي هذا ولم نجد منهم من قال أنك إذا رفعت لا تعم بل قالوا لا يكون نصًا ولا يلزم أن يكون العام كله نصًا بل منه نص وظاهر فدعوى أنها في حالة الرفع للافراد مردودة. فإن قلت النكرة في الإثبات لا تعم إلا قليلًا في نحو تمرة خير من جرادة فهي في الإثبات مستعملة في الافراد لا محالة فكيف ندعي أنها غير موضعة للافراد ودعوى أن ذلك كله مجاز غلو لأن المجاز لا يكون أكثر من الحقيقة. قلت لا بد أن يكون معناها في الإثبات هو معناها في النفي ولما كان عمومها في النفي دليلًا على أن المراد منها الجنس فهي في الإثبات أيضًا للجنس إنما لما كان إثبات الجنس صادقًا بوجود فرد واحد حمل عند الإطلاق على القدر المحقق وهو الفرد الواحد
[ ١ / ٢١٠ ]
وجعل غيره محتاجًا للدليل فهو من قبيل المطلق في اصطلاح الأصوليين وليس قيد الوحدة موضوعًا له حتى يكون حقيقته فيه. ولهذا يعرض له العموم بالقرينة المعينة لتقيده نحو "تمرة خير من جرادة" وقول الحر يرى "يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا" وقد ذهبت جماعة إلى أن النكرة موضوعة للفرد المبهم فهي في الإثبات واضحة وفي النفي إنما عمت لأن نفي الفرد المبهم يستلزم نفي جميع الأفراد إذ لو ثبتت فرد لما صدق أننا نفينا الفرد المبهم وهذا لا يتم لأنه إن كان المراد من الفرد المبهم واحدًا من الجنس لا بعينه فلا يدل نفيه على نفي جميع الأفراد لصديق نفيه في حال انتفاء فرد أو فردين وبقاء الباقي إنما غاية الأمر يجب أن لا يكون المنفي معينًا بالقصد غليه وقت النفي. وإن أريد بالفرد المبهم المعنى الشائع في الأفراد آل إلى دلالتها على الماهية من حيث هي فلا تتم دلالتها على فرد واحد في الإثبات فتدبر في هذا المقام فهو من المزالق (قوله وكذلك سلب الحكم عن العموم كقولك ما كل عدد زوج الخ) أي بناء على قولهم إن كلا لتوغلها في الإبهام لا تتعرف لا سيما إذا كانت مضافة لنكرة والجواب: إن كلا نكرة تدل على معنى الكلية فإذا نفيت انتفى ذلك المعنى كله على وجه العموم فإذا قلت: ما كل عدد زوج فإنما نفيت الزوجية عن العدد بوصف الكلية فبقيت بعضيته لم تتعرض لها لأن النفي وإن كان يتوجه إلى المحمول إلا أن كلا تشبه المحمول لما فيها من الحكم فكأن المحمول معها تنوسي وصارت هي المقصود ولذلك إذا قلت: ما كل بقضاء درة فهم أن بعض البيضاء درة لأن النفي توجه لكل وهذا حكمها حيثما وقعت في حيز النفي فالذي لم يعم في قولهم: ما كل عدد زوج هو عدد
[ ١ / ٢١١ ]