كان المتقدمون إذا بحثوا في مسمى الأمر اختلفوا اختلافًا لفظيًا منشؤه اختلاف إطلاقات الأمر في كلام العرب فرأى الذين من بعدهم أن يفككوا جهتي البحث بأن بحثوا عن مادة ام ر ثم عن صيغ الطلب مثل افعل ولتفعل وليس من الشأن أن يختلف في أن اسم (امر) يطلق على أشياء كثيرة وأن العرف خصه بالطلب المخصوص. كما ليس من الشأن الاختلاف في إطلاقه على الملفوظ به والمستحضر في النفس إذ لا يكون كلامًا معتدًا به إلا بذلك أما تسميته أمرًا فلا يحتاج إلى مراعاة ما في النفس وإن كان إثبات الكلام النفسي لا ينازع فيه أحد حيث يقول زورت كلامًا في نفسي ولا شك أنه حقيقة في اللفظي مجاز في غيره بعلاقة العلية وبه يظهر أن الأخطل أصاب ولكنه بالغ في حصر الكلام في الضمائر النفسية وذلك من التصرفات الشعرية (قوله وأما الفظ الذي هو مدلول الأمر الخ) أي مسمى لفظ الأمر لغة واصطلاحًا وهو الصيغة الدالة على الطلب نحو افعل ولتفعل والخبر المستعلم فيه مثل عليك بأن تفعل وكتب عليك أن تفعل (قوله فهو موضوع عند مالك ﵀ وعند أصحابه للوجوب الخ) يمكن أن يؤخذ هذا من قول مالك بوجوب العمرة بالشروع مع أنها سنة مؤكدة
[ ١ / ١٤٩ ]
والنافلة لا تجب بالروع عنده إلا السبعة المعروفة لقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وقال الأبهري من كبار مذهبه أمر الله للوجب وأمر النبي ﷺ المستأنف للندب (قوله في الأمر سبعة مذاهب الخ) القدر المشترك هو الطلب الراجح فيكون الوجوب والندب جزئيين لذلك القدر المشترك وبه يظهر الفرق بينه وبين المذهب الرابع القائل أن اللفظ مشترك بينهما لأن الأول من المشترك المعنوي وهذا من المشترك اللفظي. وأما المذهب الخامس فمنع الاشتراك ولم يعين الموضوع له. وأما المذهب السابع فيحتمل عنده جميع ما قيل والصواب الوجوب لأنه الغرض الأول من التشريع وغيره يحتاج لقرينة تعينه (قوله هو عنده أيضًا للفور الخ) الفور هو المبادرة لفعل المأمور به عند بلوغ الأمر أو عند حصول ما علق عليه بقدر الاستطاعة وقد أخذ البغداديون من أصحاب مالك اقتصاء الأمر للفور من قوله بوجوب الفور في الوضوء وأن تفرقته
[ ١ / ١٥٠ ]
عمدًا توجب استينافه كما في امالي المازري على البرهان وهو الأوفق بأصوله ويؤيده أنه لا يتحقق عقاب المتثاقل إذا عرض له بعد تثاقله ما يحوله عن الفعل لأنه يعتذر بكون الوجوب متراخيًا وقد لام الله قومًا على تثاقلهم فقال يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قلك لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض إلى قوله يعذبكم عذابًا أليمًا فلو لم يكن الأمر للفور لما كان من وجه لتوبيخهم قبل تبين عصيانهم ولعل هذا ونحوه هو الذي أوجب جزم المص بنسبة القول بالفور لمالك ﵀ وإن كان لم يجزم به من تقدمه وذهب المغاربة وابن الحاجب من المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة في نقل ابن التلمساني والمازري إلى أنه للتراخي ما لم يوقت فإن علق بشرط أو صفة أو وقت وجب فعله عند حصول المعلق عليه وأخذوا ذلك من قول مالك أن الزوجة تستأذن زوجها في الحج عامًا بعد عام كذا في أمالي المازري (قوله والقائلون بالتراخي الخ) المراد بالتراخي عدم الفور لا كون التراخي مقتضى الأمر قال المازري في أماليه على البرهان هذه عبارة أولع بها المصنفون ومقتضاها أن المبادرة إلى الفعل ممنوعة وهذا لم يقل به أحد وإنما مرادهم إجازة التأخير (قوله فإن مات قبل الفعل أثم الخ) أي مع جواز التأخير وبه قال أصحاب مالك وإمام الحرمين كما في أمالي المازري على البرهان وهو غريب لأنهم
[ ١ / ١٥١ ]
جعلوا بين كون التأخير جائزًا وترتب الإثم عند الفوات فيكون الجواز عندهم مشروطًا بما إذا لم يحصل مانع من الفعل فإن حصل المانع نسخ الجواز وهو الذي أشار له المص بقوله وقيل إلى غير غاية بشرط السلامة فإن مات الخ فتكون السلامة معتبرًا وقوعها لا ظنها وقوله وقيل لا إثم عليه هو قول القاضي كما في أمالي البرهان وهو الموافق لمعهود الشرع والقياس أما مع ظن الفوات فاتفق الجميع على عدم جواز التأخير وبهذا يندفع ما قد يتوهم في كلام المص من التخالف (قوله حجة الفور قوله تعالى لابليس الخ) ندفعها بأن إبليس قد ظهر عليه من الإنكار ما لا يرجى معه امتثال وهذا السر في زيادة نحو أبى ونحو استكبر بعد الاستثناء في قوله تعالى إلا إبليس في الآيات الوارد فيها ذكر امتناعه من السجود وهذه الحجة ذكرها المصنف في الشرح وستأتي له في المتن بعد مسأل التكرار لأنه ذكرهما جميعًا ثم احتج لهما لشدة المناسبة بينهما إذ التكرار يستلزم الفور (قوله وهو عنده للتكرار قاله ابن القصار الخ) التكرار هو إعادة فعل المأمور به عند إتمامه بقدر الاستطاعة وسبب الخلاف في هاته المسألة ورود أوامر دلت على طلب تكرار المأمور به مثل أقيموا الصلاة وأوامر لم تدل مثل ولله على الناس حج البيت ولا شبهة فيما عرف حاله بل الكلام في ما تجرد عن القرائن على إيهما يحمل وقد أجنح بعضهم للتكرار بسؤال الأقرع بن حابس النبي ﷺ عند نزول آية الحج ألعامنا هذا أم للأبد ولا حجة فيه أما أولًا فلأنه سؤال عن تكراره لغير المخاطب بدليل أنه مع جوابه ﷺ بقوله "للأبد" لم تجب الإعادة في كل سنة على أحد. وأما ثانيًا فلو سلم أنه
[ ١ / ١٥٢ ]