(قوله مع أني غيرت بالزيادة لقولي القديم الخ) الشهاب ﵀ يمت بالزيادة ثم يستدرك ببقاء لحاد فاسد الذكر الخطاب الذي لا يناسب وصف القديم وكلا الأمرين غير متجه. فأما زيادة لفظ القديم فلا فائدة فيها ولهذا تركه الإمام فخر الدين لأن بحث الأصولي عن الحكم الذي هو صفة للأفعال من وجوب أو حرمة أو نحوهما التي هي أثر الخطاب والتي أطلق الخطاب عليها مجازًا مشهورًا صار حقيقة عرفية في المخاطب به عند الأصوليين. ولا شك أن زيادة لفظ القديم تنافي هذا المعنى فتصير الحكم هو الصفة النفسية وليست مرادة للأصولي والمراد به هنا اللفظ الدال على وجوب ونحه أو مدلول اللفظ ولا يرد قوله فلو كانت حكمًا لا تحد الدليل والمدلول لانا نجيب بأن لا اتحاد لأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز. وتثير تلك الزيادة أيضًا الأسئلة الثلاثة الأول من الأسئلة الخمسة التي أوردها المصنف على الحد وتعسف لدفعها. وتنافي أيضًا قولهم في تعريف الفقه أنه المكتسب من الأدلة التفصيلية إذ الخطاب القديم لا يصح كونه مكتسبًا. وتنافي أيضًا جعله من أصول الفقه إذ الصفة القديمة لا ينبني عليها فقه إذ لا طريق لتعريفها. وأما التعبير بالخطاب فغنا ندفع إشكال
[ ١ / ٧٤ ]
المصنف الذي أورد عليه بأحد وجهين ألهما أن الخطاب وإن كان يستدعي مخاطبًا لكن لا يلزم لتحقق الخطاب وجود مخاطب بل علم الله بوجوده فيما لا يزال كاف في صحة الخطاب بناء على قول جمهور الأشاعرة بأن الأمر يتعلق في الأزل بالمعدوم وأن الله آمر وناه في الأزل وأن الكلام متنوع. وثانيهما أن التحقيق أن الكلام لا يسمى في الأزل خطابًا ولا يتنوع لأن كلامه تعالى واحد وانقسامه إلى أنواع الخطاب باعتبار التعلق إلا أنهم مختلفون في هذا التعلق هل هو حادث كتعلق الإرادة والقدرة وهو مختار ابن سعيد فيما نقل عنه ابن الحاجب وصاحب المواقف ومال إليه أم هو أزلي وتعلق الأمر ونحوه بمن خوطب به تعلق معنوي والصواب الأول وإليه مال جمع من المحققين فالأمر وغيره أنواع للكلام بحسب التعلق لا بحسب أصل الماهية كما في المواقف وعليه فهي إنما تكون عند وجود المخاطب وسبب الخطاب. وبهذا يجتث ما غرسه المصنف ﵀ من عروقه (قوله وعلى الحد بعد هذا خمسة أسئلة الخ) إنما هي في التحقيق ثلاثة ولكن واحدًا منها يتجه بثلاثة توجيهات السؤال الأول لزوم حدوث الحكم لأنه يوصف به فعل العبد ولأنه يعلل بالحوادث ولأنه يوصف بسبق العدم والجميع ينافي القدم. الثاني أنه تعلق بفعل غير المكلف فلا ينعكس التعريف الثالث أنه لا يشمل خطاب الوضع فلا ينعكس التعريف أيضًا أما الأول بتوجيهاته فمدفوعة بما قدمناه في إبطال وصف الحكم بالقدم وبه نستغني
[ ١ / ٧٥ ]
عما تكلف به المصنف لدفعها وأما البقية فتأتي (قوله والجواب عن الأول الخ) التحقيق أنه لا يصح وصف شيء بما ليس قائمًا به لأن من لم يقم به وصف لا يشتق له منه اسم إلا عند المعتزلة الذين جوزوا إطلاق المتكلم عليه تعالى مع أن الكلام عندهم قائم ببعض الحوادث وما نظر به المصنف من إطلاق المعلوم على قيام الساعة لا يتم لأن إطلاقه عليه حقيقة لعلمنا به ولا يلزم الوجود لتحقق المعلومية إذ العلم يتعلق حتى بالمستحيل وكون العلم به قائمًا بنا لا يضر في إطلاق معلوم عليه إذ إنما وصف بالمعلومية وهي قائمة به والقائم بنا هو العالمية كما لا يخفى بالكسر ألا ترى إنك تقول زيد مضروب والضرب صادر من الضارب لا منه. فالوجه إبطال السؤال بأن حلال صفة الفعل الذي ثبت له الحل أو كان في الحل كما يقال حي حلال وفلان حلال أي ليس بمحرم بحج أما وصف الله فبالتحليل والتحريم وهذا مناط الفرق. ونحن وإن كنا نلتزم حدوث الخطاب بالمعنى المراد للأصوليين في تعريف الحكم كما قدمنا في طالعة الفصل فلا يرد حينئذ السؤال لكنا أردنا أن نحقق إطلاق الوصف من تحليل وتحريم ولذا لا نجيب عن السؤالين بعده كما تقدم (قوله وعن الرابع الخ) جواب صحيح فحيثما ورد ما يقتضي تعلق خطاب بفعل غير المكلف في الشرع فهو محمول على تنبيه أولياء الأمور على حكم ذلك الفعل فهو مركب من
[ ١ / ٧٦ ]
خطاب وضع وهو فعل غير المكلف المجهول سببًا أو نحوه ومن خطاب تكليف وهو إجراء ولي الأمر ما نبه إليه في ذلك الحكم فجواز بيع وضمان تلفه وزكاة ماله من هذا القبيل. وأما أمره بالصلاة في الحديث الصحيح وأمره بالاستئذان في قوله تعالى الصبي ليستأذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم فبمعنى أمر ولي الأمر بإرشاده لذلك وتعويده عليه فاندفع ما رد به صدر الشريعة هذا التعريف كما أشار له صاحب التلويح. وما أورده عليه عز الدين ابن عبد السلام كما أشار له الشهاب البرلسي وقد شمل ذلك كله قول المحلي "وولي الصبي والمجنون مخاطب بأداء ما وجب في مالهما وصحة عبادة الصبي ليس لأنه مأمور بها بل ليعتاد بها فلا يتركها بعد بلوغه اهـ" وهذا يغني عما أطال به ابن قاسم في حاشية هاته العبارة. وقد يورد هنا أيضًا أن خطاب الوضع بعضه ليس متعلقًا بأفعال المكلفين كالزوال ومرور الحول ويجاب عنهما بأن المراد بالتعلق التعلق مباشرة أو بواسطة (قوله وعن الخامس الخ) اعترف المصنف بوروده وأبطل جمع الحد واعتذر ابتداء في طالعة كلامه بأنه تبع فيه الإمام الرازي إذ عرفه في المحصول بمثل تعريفه هنا أي بزيادة لفظ بالاقتضاء أو التخيير وهي التي أثارت هذا الإيراد وهذا التعريف للمتقدمين وقد أورد عليه جماعة من المعتزلة هذا الإيراد الخامس وتردد الأصوليون في الجواب فمنهم من التزم صحة التعريف مع تلك الزيادة ومنع دخول خطاب الوضع في الحكم نظرًا إلى كون الحكم يقع صفة لأفعال المكلفين كالوجوب ونحوه
[ ١ / ٧٧ ]
والخطاب المأخوذ جنسًا في تعريفه إنما أريد منه المخاطب به وهو المنوع إلى وجوب ونظائره وليس خطاب الوضع في شيء من ذلك وكان أهل هذه الطريقة ينحون منحى عدم إطلاق اسم الحكم على خطاب الوضع في اصطلاح الشرع. ومنهم من رد خطاب الوضع إلى خطاب التكليف وهذا ظاهر صنيع الإمام في تعريفه في المحصول إذ تأول خطاب الوضع بأنه آئل إلى أننا متى علمناه علمنا أن الله أوجب أو حرم يريدانه دليل الحكم وليس حكمًا قال "المراد من كون الدلوك سببًا اننا متى شاهدنا الدلوك علمنا أن الله أمرنا بالصلاة ولا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب" ساق هذا في دفع إيراد المعتزلة كما صرح به المصنف في شرح المحصول. وفيه ما فيه إذ ليس الإيجاب الذي تؤذن به السببية هو عين إيجاب الصلاة لتقرره بغير ذلك بل السببية معينة لوقت ذلك الإيجاب على وجه التعريف به والتنبيه إليه على أن هذا لا يأتي في الموانع وبعض الشروط. ومنهم من اعترف باختلال جمع التعريف وبأن خطاب الوضع من قبيل الحكم فزاد لفظ "أو الوضع" مثل ابن الحاجب والمصنف هنا في الشرح وفي شرح المحصول وهو الصواب وهو ظاهر صنيع الإمام في مبحث تقسيم الحكم من المحصول إذ قسمه إلى خطاب تكليف وحسن وقبح وخطاب وضع. والظاهران أن الإمام يعتمد دخول الوضع في الخطاب كما يفصح عن ذلك صنيعه في التقسيم وكما يشير إليه جعل المصنف الإيراد الخامس موجبًا للاعتراف بقصور الحد دون أن
[ ١ / ٧٨ ]
يصححه بأنه مذهب الإمام. فإن قلت كيف تستقيم نسبة هذا للإمام وقد تقدم أنه رد إيراد المعتزلة بمنع دخول خطاب الوضع في الحكم قلت: يمكن أن يعتذر عنه بأنه أورده على وجه المنع في الجواب ولا يلزم أن يكون المنع موافقًا لمذهب المانع كما تقرر في آداب البحث وعلى تسليمه فهو آئل إلى خطاب التكليف كما أشار له الإمام في التعريف.