مما قد توهم أو يتوهم أنه مخصص وليس بمخصص لأنه لا يخصص العموم إلا الذي ينافي عمومه لو أعمل مقتضاه (قوله وليس من مخصصات العموم سببه الخ) بواعث الكلام وأسباب التشريع كثيرة فإذا قال قائل كلامًا أو أنشا حكمًا أو أمثالًا أو أحكامًا لم يقتض ذلك أن ما وقع في كلامه لابعدو الباعث له عليه وقد أخرج البخاري في باب "الصلاة كفارة" حديث ابن مسعود أن رجلًا أصاب اثمًا فجاء إلى النبي ﷺ يخبره بذلك فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل إلى هذا يا رسول الله قال لجميع أمتي. وهنا مسألتان مزجهما المصنف ولقد أحسن وهما جواب السائل وسبب العموم ولا فرق بينهما إلا بان السبب أعم من السؤال لشموله ما ليس بقول ما هو قول بلا سؤال كالخصومات (قوله وعن مالك فيه روايتان الخ) جزم المصنف الا بان السبب ليس من المخصصات لأنه رأي أكثر الأصحاب كما قاله ثم ذكر عن مالك روايتين ولم يتعرض لترجيح أحدهما. وعن الباجي في المنتقى أن مذهب مالك قصر العام على سببه كما في فتوى لابن مرزوق في أحباس المعيار وهو غريب ولعل الروايتين اختلاف في حال ففي كلام الشارع يحمل على العموم ولا يخصصه سببه لأن المقام مقام التشريع ولا خصوصية للسبب إلا من حيث كونه الموجب لورود الخطاب فلا يخصص عموم اللفظ، وأما في كلام الناس في عقودهم ومعاملتهم فلا يحمل العموم إن ورد
[ ١ / ٢٥٣ ]
على سبب خاص إلا على ما يتعلق بالغرض المسوق اليد ولهذا رجح ابن مرزوق فتوى ابن الحاج بتخصيص السبب للعموم الوارد عليه قائلًا أنها الحق الذي لا عوج فيه ولا أمت لأنه المحقق وغيره المحتمل واستضعف فتوى ابن رشد بالحمل على العموم وذلك في مسألة الإبراء العام إذا ورد بعد خلع ونحوه وقد أشار إليها الزقاق بقوله.
وإن عمم الإبراء والخلع سابق فقصر وتعميم جميعًا تأهلا
(قوله مثال المستقل قصة عويمر الخ) فإنه سأل النبي ﷺ عمن يرى رجلًا مع امرأته أيقتله فيقتلونه أم يحتمل ما لا يطيق احتماله، فكرة النبي ﷺ المسائل ثم أعاد فنزلت آية اللعان فالسبب غير متصل بصيغة العموم فلا يقتضي تخصيص حكم اللعان برؤية الزنا فقط بل يشمل أيضًا نفي الحمل بشرطه وعويمر هذا هو عويمر ابن أبيض العجلاني الأنصاري واسم امرأته خولة (قوله مثال غير المستقل الخ) هو كل ما يرجع إلى اللفظ العام من ضمير أو حرف تعريف أو جزاء، واعلم أن العام في حديث اينقص الرطب وقوله فلا إذًا ضمني لا صريح وهو ما يؤخذ من وصف أينقص إذا جف الذي هو في قوة قوله لا يباع ما ينقص بعد جفافه وهو عام في الرطب وغيره فلم يختص بالرطب، ولهذا عمم مالك ﵀ تفسير المزابنة بقوله إنها بيع معلوم بمجهول من جنسه (قوله لأن إذن التنوين فيها عوض الخ) سهو واضح إذ ليست إذًا هنا هي إذ الملازمة للإضافة إلى جملة بعدها فتحذف جملتها ويعوض عنها التنوين لأن تلك لازمة الكسر في آخرها لالتقاء الساكنين وهما آخر إذ ونون التنوين والتي في الحديث مفتوحة ولأن
[ ١ / ٢٥٤ ]
إذ للظرفية ولا معنى لها هنا لأنها تقتضي أن المنع من البيع في زمان نقصانه عند جفافه مع أنه ح يجوز بيعه بالتمر على شرطه ولا للتعليل لأنه مأخوذ من معنى الظرفية فيرجع إلى وجوب الإضافة أو تنوين التعويض ولأن تجرد أذعن كلمة تدل على معنى حين مضافة إليها وقت حذف جملتها قليل نحو "وأنت إذ صحيح" فالصواب أن إذن هنا هي الجوابية التي تنصب المضارع والمسألة هي هي لأن الجواب غير مستقل عن السؤال. فغن قلت لعل أصلها إذ المنونة تنوين العوض قلت قيل به هو وجيه إلا أنها صارت لمجرد الجوابية فلا يغني هذا في دفع الاعتراض عن المص لأن الأصل قد نسي وحسبك أن تنوينها قد ظهر وصار نونًا وفتحت الذال والبحث عن الأصل ليس من غرض غير اللغوي (قوله فائدة من قولي المخصص لابد أن يكون منافيًا الخ) أي من قوله هاته العبارة بمعناها إذ قال في المتن "لعدم المنافاة" في توجيه عدم التخصيص فاقتضى أن المنافاة شرط للتخصيص وهذا بحث التخصيص للفظ الحالف بالنية أي أنها تخصص عند ثبوت التنافي بين مقتضاها ومقتضى العموم وهو أن يقصد بها نوعًا دون غيره وأورد عليه المص طلب الفرق بين حضور ثياب الكتان في الذهن وقت الحلف فلا يخصص وبين ما لو قال الثياب الكتان فيخصص. وملخص الجواب بطرفيه أن القيود اللفظية مقصودة للمتكلم للاحتراز عن غير مدلولها ولذلك إذا خرجت مخرج الغالب لا يعتد بها بخلاف خطور الصفات في الذهن فإنه يكون مع الذهن عن إخراج غيرها وبذلك ظهر الفرق بين التسليم فإن ذلك التخصيص إنما يكون بالدليل والقيود اللفظية أدلة وكذلك العزم على الإخراج بالنية فذلك دليل
[ ١ / ٢٥٥ ]
أما مجرد تصور بعض الأفراد عند النطق بالعام فليس من الأدلة بل هو مدلول لأنه تصور والتصور كالتصديق مدلولان لا دليلان ودليلاهما القول الشارح والقضية. هذا حاصل تقرير كلام المصنف في السؤال وجوابيه مع بيان وتعليل. ولقد تسامح المص في لإطلاق النية على هذا النوع الذي هو خطور محض غير مقصود للإخراج وذكر المص في أثناء الفرق الثاني أن النية لا صرف صريح باب إلى غيره بل إنما تدخل في المحتملات فهي تصلح مخصصًا مقيدًا دون أن تكون مبطلًا أي ناسخًا وعليه فالمراد من المنافاة منافاتها لظاهر اللفظ لا المنافاة للقصد والمعنى وهذا مما يجب تقيد كلامه به ههنا. وتقدم أيضًا في صيغ العموم عن الحنفية أنهم يشترطون في تخصيص النية أن تكون فيما دل عليه اللفظ مطابقة لا التزامًا. هذا واعلم أن ما بنى عليه المص هنا من اشتراط المنافاة في النية لا خراج النية غير المنافية بحث تبع فيه المص عز الدين ابن عبد السلام فتابعه عليه ابن راشد والمقري وخليل في مختصره حيث قال (وخصصت نية الحالف وقيدت إن نافت) وتكلف سراحه لبيان المحترز عنه بهذا القيد وذلك قياس للتخصيص بالنية على التخصيص باللفظ وهو غير موافق لفتاوى الفقهاء المبنية على أن ما استحضره الحالف من أنواع الجنس المحلوف عليه عند الحلف هو المعتبر من يمينه لأنه المقصود له ولذلك لم يعهد من أهل العلم بالفتوى سؤال عن حال النية والإقدام على تغليظهم غير هين ولعل مراد المص ومن تبعه من النية مطلق الخطور في الذهن لا القصد بالحالف إلى الشيء المنوي دون غيره وهو ما سميناه بالتسامح قبيل هذا وفرقنا بين حال الخطور في الذهن وحال النطق باللفظ. فالحاصل أن
[ ١ / ٢٥٦ ]
خطور بعض الأفراد في الذهن إن لم يكن هو المقصود ب الحلف لا يفيد شيئًا لأنه بمنزلة المثال في الكلام وإن كان هو المحلوف عليه فهو مثل ما إذا نوى إخراج غيره لأنه يصير هو المقصود من اللفظ وبهذا ينبغي إسقاط الصورة الثالثة من الصور الأربعة التي ذكرها المص في الفرق التاسع والعشرين (قوله والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهر الخ) أي الضمير المتعين رجوعه إلى بعض ما يدل عليه العام بسبب كون المقام لا يصلح إلا لذلك البعض المراد لمن ظاهره اسمه الظاهر وهو معاده وغنما لم يخصص عندنا لأن خصوص الضمير إنما أخذ من القرائن أعني عدم صلاحية الحكم المتعلق بالضمير إلا لبعض أفراد العام وذلك لا يقتضي إبطال العموم ولذلك كان حكم المطلقات البوائن عندنا في العدة كحكم
[ ١ / ٢٥٧ ]
الرجعات ومن خصص به وهو الشافعي قال خصوص الضمير يؤول ظاهر العموم فيكون معتبرًا فيه الغالب ولكل وجه معتبر (قوله إبعادًا له عن المجاز والتخصيص بذلك النوع الخ) هكذا وقعت هذه العبارة في النسخ وهي مترددة بين تعقيد وتصحيف فقوله إبعادًا له أي للفظ العام عن أن يكون مجازًا أطلق واريد به ذلك النوع الخاص بعلاقة البعضية في الجملة لأنه جزءي وهو إطلاق النقل وإبعادًا له عن أن يكون خاصًا بذلك النوع. ووجه الاحتياج لهذا الإبعاد هو أن ذلك النوع أهم افراد العام فهو أسبقها للأذهان وربما ظن أنه المعنى من اللفظ فإذا ذكر النوع الأهم بعد ذكر اللفظ العام لم يبق احتمال التخصيص في اللفظ العام البتة لأن ذكر بعض أنواعه بعده دل على أن عمومه مراد وإن كان لفظ ذلك النوع يحتمل في ذاته أن يكون خاصًا ببعض أراده لأنه من حيث أنه نوع تجري عليه أحكام العام فقول المص يبقى احتمال التخصيص فيه شبيه بالاستطراد لأننا بصدد البحث عن دفع احتمال التخصيص في اللفظ العام الذي ذكر بعض أفراده فما كان الشأن أن نشتغل ببيان احتمال لفظ النوع للتخصيص وكأن المص هنا جرى على عادته من الاحتفال بالفروق فأراد أن يشير إلى الفرق بين كون ذكر نوع من أنواع العام لا يبقى احتمال اللفظ العام للتخصيص وبين كون ذلك النوع نفسه يحتمل التخصيص ببعض الأفراد لأن النوع الإضافي يأخذ أحكام الجنس أن نسب إلى ما تحته. ويمكن أن يكون بالعبارة تصحيف في قوله يبقى وأن أصله ينفي بياء ونون وفاء مبنيًا للمجهول ويكون تقرير العبارة هكذا إبعادًا له عن المجاز والتخصيص بذلك النوع فإذا نص عليه أعلى ذلك النوع ينفي احتمال التخصيص
[ ١ / ٢٥٨ ]