خصه بفصل بعد دخوله في جملة المفاهيم لتنوع طرقه واختلاف مقتضاه والحصر تخصيص شيء بشيء بطريق معهود، وقال صاحب المفتاح: تخصيص الموصوف بوصف دون ثان أو بوصف مكان آخر وتخصيص الوصف بموصوف دون ثان أو بموصوف مكان آخر" والمصنف عرفه برسم ناقص بذكر الحكم الحاصل عنه وبأدواته. والحاصل بهذا التخصيص هو الاختصاص والمقصور هو المخصص به والمقصور عليه هو المخصص. وله طرق ستة إنما وما وإلا والعطف بلا وتقديم المعمول وتعريف الخبر وضمير الفصل واشتهر عند الناس عدها أربعة اغترارًا بظاهر كلام المفتاح وقد غفلوا عن سببه لأنه ذكر اثنين وهما تعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل في أحوال المسند إليه والمسند ثم ذيل بالطرق الأربعة في فصل خاص قال فيه "أن القصر كما يجري بين المبتدأ والخبر يجري بين الفعل والفاعل وبين الفاعل والمفعول وبين المفعولين وبين الحال وصاحبها وبين كل طرفين الخ" ولقد أغرب المصنف حين عد الرابع المبتدأ والخبر فقال والمبتدأ والخبر فقال والمبتدأ مع خبره الخ وقال في الشرح هو على كل تقدير يفيد الحصر وبينه بما يؤل إلى اعتباره الحصر فيه مرة بمعنى الانحصار اللغوي وهو التصادق على حد قولهم حصر الكلي في جزئياته يعني صدق المبتدأ على الخبر المراد عند النحاة بقولهم المبتدأ عين الخبر: ومرة
[ ١ / ٦٣ ]
بمعنى التخصيص المصطلح عليه فأثبت له الحصر بالمعنى الأول على كل تقدير وهو الذي ترجمه بقوله "يقع الحصر في الخبر دون نقيضه وضده ولا يمنع هذا الحصر ثبوت الخلاف" يريد لأن ثبوت النقيض والضد منتف عقلًا من نفس الأخبار بالمضاد والنقيض دون ثبوت الخلاف الذي لا ينفيه إلا الحصر ثم ركب في تعليله كلامًا اقتضبه من كلام الغزالي ونزله في غير المراد منه فجاء ضغثًا على إبالة وأثبت له الحصر بالمعنى الاصطلاحي عند تعريف الخبر خاصة وهو الذي شرحه بقوله "وأما مع التعريف فيجب سلب الخلاف أيضًا فلا يوصف بغير ذلك الخبر" ففرض كلام الغزالي وركبه على كلام الجمهور في باب الحصر وعمم ما فرضه الغزالي في نحو الأعمال بالنيات فقرره بما يقتضي ثبوت الحصر الاصطلاحي في نحو زيد أخوك وزيد صديقي وغلام زيد الذي كان معي بالأمس. وهو غير مستقيم وبيان ذلك: أن الأمثلة التي أثبت لها الغزالي الحصر قد عرض لها الحصر بواسطة القرائن فأراد الغزالي التفرقة بينها وبين نظائرها مما لم يعرض له عارض الحصر فقال "قوله الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم ينقسم وتحريمها التكبير والعالم زيد يلتحق بنحو إنما وإن كان دونه في القوة فنحن ندرك التفرقة بين قولك زيد صديقي وقوله صديقي زيد وذلك لأن الخبر يجب أن يكون أعم أو مساويًا للمبتدأ لا أخص فإذا قلت زيد صديقي جاز كون الصديق أعم من زيد بخلاف صديقي زيد فلو كان له صديق آخر غير زيد كان المبتدأ وهو صديقي أعم من الخبر وهو زيد وذلك ممتنع اهـ". فقد رأيتم أن الغزالي ساقه قرينة على ثبوت الحصر الاصطلاحي إذا كان المبتدأ في الأصل أعم من الخبر لأنه بعد الأخبار قل
[ ١ / ٦٤ ]
عموم المبتدأ فساوى الخبر وطابقه والمصنف أخذ يبرهن به على لزوم الحصر بالمعنى الأعم للمبتدأ مع الخبر حيثما وقع فقال "فهذا برهان على ثبوت الحصر مطلقًا كيف كان المبتدأ والخبر" ثم رجع يفصل بين مواقع الحصر اللغوي من ذلك ومواقع الحصر الاصطلاحي فقال "غير أنه إذا كان الخبر نكرة إلى قوله فهو تخصيص لعموم الحصر" وبعدما تبين مراد المصنف من صنيعه هنا ومنشأ تقريره المأخوذ من تغيير كلام الغزالي فلابد من العطف إلى تحقيق هذا المبحث الذي طالما خاضت فيه أعلام من أيمة البلاغة والأصول فلم يأتوا على أواخره، ولم يجمعوا مشتت أمثلته بأواصره، فاعلموا أن أصل الفائدة من الأخبار هو إفادة أن ذاتًا معلومة للمتكلم والمخاطب اتصفت بوصف عام أي أنها كانت من جملة من يصلح لأن يصدق عليه ذلك الوصف ولذلك كان الأصل في المبتدأ التعريف وفي الخبر التنكير نحو زيد قائم وزيد حيوان لأن المبتدأ دال على ذات جزئية والخبر دال على جنس كلي والمستفاد من الأخبار هو أن الذات الجزئية صارت من جملة أفراد ذلك الكلي باعتبار من الاعتبارات وقد يصير الجنس معرفة أيضًا ويخبر عنه بجنس وذلك عند تعين الجنس المراد الأخبار عنه حتى ينزل منزلة الذات نحو الإنسان حيوان أي هذا الجنس من جملة أفراد الحيوان. فإذا قصد الأخبار بأن ذاتًا اتحدت بالجنس حتى صارت عينه جيء بالمبتدأ وبالخبر جنسًا معرفًا لأن تعريف الجنس حينئذ إشارة إلى زوال عمومه وكليته حتى حضر في الذهن متميزًا عن غيره من الأجناس نحو زيد الصديق فوز أنه وزان قولك زيد عمرو أي هو عينه وطبقه. وإذا أريد أن جنسًا انحصر في ذات فلم يكن له أفراد غيرها حقيقة أو ادعاء جيء
[ ١ / ٦٥ ]
بالجنس مبتدأ معرفًا للإشارة إلى أنه قصد لا من حيث شموله وكليته بل من حيث أنه صبرة معروفة ممتازة عن غيرها من الصبر نحو الإله الله في الحصر الحقيقي ونحو الصديق زيد في الحصر الإدعاءي وهذان يفيدان الحصر باللزوم إلا أن التعريف معهما مطرد وغير محتاج للقرينة. هذا إذا أريد تعريف الجنس أما إن أريد تعريف العهد فالحصر أظهر. أما الإضافة فلا تفيد أكثر من نسبة المضاف للمضاف إليه غير أن المتكلم قد يتعلق غرضه بأن يفيد الحصر مع ذلك فيقدم الخبر على المبتدأ للدلالة على ذلك فتكون الإضافة حينئذ كتعريف الجنس وهو معنى قولهم الإضافة تأتي لما تأتي له اللام نحو صديقي زيد لأن وضع جنس الصديق المضاف إليك للتحدث عنه دليل على أنك تريد حصره في فرد وإلا للزم عليه كون المبتدأ أعم من الخبر كما تقدم في كلام الغزالي فتعين أنها لتعريف الجنس لقصد حصر الجنس في فرد مثل الصديق زيد وبهذا. يظهر الفرق بين قولك صديقي زيد وبين نحو صديق زيد الذي هو مساو لقولك زيد صديق لأن صديق متعين للخبرية قدم أم أخر لأنه نكرة فلا يصح الابتداء به أي التحدث عنه إذ لا تتوجه النفوس للمجهول ولو كان المخاطب يعرفه لعرف له بطريق من طرق التعريف فإبقاؤه على تنكيره دليل على أن المراد كونه محكومًا به تقدم أم تأخر هذا غاية ما لاح في تحقيقه وبه تنحل عقد عرضت في بحث تعريف المسند من المطول وتنحل عقدة المصنف هنا ويبطل تفصيله في بعض الصور وهي صورة تعريف المبتدأ بلام الجنس مع تنكير الخبر نحو الكرم في العرب فإنه يفيد قصر المبتدأ على الخبر وتفصيل المصنف يقتضي أنه لا يفيد إلا الحصر ويتبين أن التأثير في هذا الباب كله
[ ١ / ٦٦ ]
لتعريف الجنس فإن كان ذلك التعريف في المبتدأ أفاد قصره على الخبر مطلقًا وغن كان في الخبر أفاد قصره على المبتدأ ولا يكون المبتدأ حينئذ إلا معرفة لأنه إنما يفيد القصر بواسطة قياس المساواة وهو أن اتحاد الجنس بالخبر يقتضي اتحاد جميع الافراد إذ لو شذ منها فرد لفارق الجنس الخبر كيف وقد ادعى اتحاده. وترك المصنف العطف بلا ولكن وبل لاتضاح أمره (قوله فهي موجبة جزئية الخ) بل هي شخصية لتشخيص موضوعها وليس نقيض الشخصية السالبة الكلية إذ لا يلزم من صدق غير زيد ليس بقائم كذب زيد قائم بل نقيضها الشخصية السالبة وهي زيد ليس بقائم (قوله وأما قوله ﷺ ذكاة الجنين فروي برفع ذكاة ونصبها الخ) الرفع أرجح لعدم التقدير ولأن الأوصاف يدوم إطلاق ما قارنه الموت منها فيستمر حينئذ الوصف كما تقول فلان الشجاع أو الشديد ولو عمر لهان فالجنين يسمى جنينًا ما دام بالبطن فإذا خرج فهو عجل فما صح إطلاق الجنين عليه بعد خروجه إلا لأنه خرج ميتًا فلازمه اسم الجنين ويتعين حينئذ أن يكون المعنى أن ذكاته هي ذكاة أمه ولا معنى لحمله على المجاز على حد وآتوا اليتامى إذ لا نكتة هنا. وأما حمله على التشبيه البليغ وهو المنقول عن الحنفية في غير هذا الكتاب فمع كونه تأويلًا هو يقتضي كونه قد خرج حيًا فحينئذ لا يسمى جنينًا ولا خلاف في وجوب ذكاته حينئذ وإن خرج ميتًا فذكاته عبث غلا أن يصير الحديث كناية عن تحريم أكله وهذا لم يقله أحد والمنقول عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه منه أكله لعموم حرمته عليكم الميتة وتأول
[ ١ / ٦٧ ]
الحديث ولذلك خالفه أبو يوسف فوافق الجمهور وهو مقيد عند الجميع بتمام خلقه ونبات شعره. أما رواية النصب فقد ذكرها ابن العربي في القبس على الموطأ قائلًا وقد طال النزاع في الرفع والنصب والأمر فيهما قريب. وذكرها الزيلعي في شرح الكنز وحملها على ما ذكره المصنف وفيه بعد معنى وإعرابًا (قوله وخالفه جماعة الخ) منهم ابن الحاجب وأبو حيان وخلاف ابن الحاجب ذكره في شرحه للمفصل ووجهه بما رده التفتازاني وغيره (قوله قول العرب إياك أعني واسمعي يا جارة الخ) هو مثل أول من قله سهل بن مالك الفزاري وكان خرج إلى النعمان فمر ببعض أحياء طي ونزل بسيدهم فلم يجده ووجد أخته فلمما رأى جمالها جلس يومًا بفناء خباها وأنشد.
يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزارة
أصبح يهوى حرة معطارة إياك أعني فاسمعي يا جارة
ثم كان من أمره أن تزوجها فصار قوله يضرب مثلًا لمن يتكلم بكلام ويرد به تعريضًا ونحوه ومن مورد المثل يظهر أن المراد من تقديم المعمول حصر العناية فيها كي لا تظن أنه ينشد شعرًا يذكر به الفه ورواية البيت بالفاء في فاسمعي والموجود في النسخ هنا بالواو. وقد كان هذا الرفق للأصمعي من أهل الذوق فلذلك احتج الأصمعي ببيانه.