وأبو الحسين هو محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي أحد أيمة المعتزلة وحذاقهم توفي في بغداد ٤٣٦ ست وثلاثين وأربعمائة وكتبه نافعة محررةألف المعتمد في الأصول وهو شرح على العمد للقاضي عبد الجبار ومنه أخذ الإمام الرازي كتاب المحصل وألف القياس الكبير والقياس الصغير ذكرها المص في ديباجة شرح المحصول واعتمدها
[ ١ / ١٠٨ ]
(قوله فائدة الاستدلال بقوله تعالى وما كنا معذبين لا يتم إلا بمقدمتين الخ) أراد بهذا بيان وجه دلالة الآية على نفي التكليف قبل بعثة الرسول لأنها غير ظاهرة فيه إذ غاية ما اقتضته نفي التعذيب قبل بعثة الرسول وهو لا يدل على نفي التكليف بادئ الرأي لجواز أن يكون التكليف مع انتفاء العذاب على الترك أو أن يكون العذاب ثابتًا ولكنه لا ينزل إلا بعد بعثة الرسول. وحاصل البيان الحقيقي أن نفي التعذيب استعمل مجازًا في نفي التكليف لعلاقة اللزوم إذ لو كان تكليف لا عقاب على مخالفته لكان سواء والعدم وهو غير مناسب لحكمة الله تعالى بحسب تفسير الخصم لها لأن الكلام مع المعتزلة إذ من شرع شيئًا لابد أن يحيطه بما يحفظه من الاعتداء فلا جرم يثبت من نفي التعذيب نفي وقوع التكليف للزوم العرفي. وقرينة المجاز هي الغاية أعني قوله حتى نبعث رسولًا إذ لا معنى لترتب عقاب لا يقع إلا بعد البعثة لأن هاته البعثة إن كانت هي سبب التكليف فقد تم المراد لنا. وإن كان التكليف سابقًا ولكنه لا عقاب على مخالفته بل يترتب العقاب على المخالفة بعد بعثة الرسل فغاية الأمر ثبوت تكليف شبيه بالتخيير وليس هو محل النزاع إذ النزاع في ثبوت الثواب والعقاب. وإن كان التكليف والعقاب ثابتين من قبل البعثة فالبعثة إذًا عبث لأنها تحصيل حاصل. هذا ما يظهر في توجيه الاستدلال. واعلم أن العذاب المذكور في الآية إن كان عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه فنفيه نفي لوقوعه وهو المتبادر. وإن كان عذاب الآخرة فنفيه بمعنى نفي تقديره فاسم الفاعل إذًا للمستقبل وقد بين المص الأشكال ووجه الاستدلال بما لا طائل تحته فقال "لاحتمال أن
[ ١ / ١٠٩ ]
يكون المكلف" أطاع الخ وهذا لا يحتمله المقام لأن النفي مغي بالبعثة والغاية لأحوال عامة مستفاد عمومها من حذف متعلق قوله معذبين وبه يظهر الاستغناء عن المقدمة الأولى وهي لو كلفوا لتركوا الخ لأن العموم والسياق وهو ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير يعينان أن المراد التعذيب على ترك ما كلفوا به لا على أصل التكليف. وأما المقدمة الثانية فحاصلها لبيان الملازمة بين ترك ما كلفوا به وتعذيب الله إياهم على ذلك ليتم بذلك كون التعذيب لازمًا للتكليف في الجملة بواسطة كونه لازمًا للترك وهي غير وافية بالمراد لأن مراده أن الملازمة بين الأمرين معلومة من استقصاء الشريعة الدال على أن العصيان سبب العقوبة وقد يمنعه الخصم فيدعي أنه سبب للعقاب بعد البعثة أما قبلها فإنه سبب ترتب الذم والتعزير لأن المعتزلة مع قولهم بالحسن والقبح يعترفون بأن الثواب والقعاب لا يتلقيان إلا من قبل الشرع ولكن ذلك لا يمنع من زجر المفسد على فساده والثناء على صلاح الصالح ولهذا يجمع أصحابنا في ردهم عليهم بين الأمرين كما قال ابن الحاجب وابن السبكي "وبمعنى ترتب الثواب والعقاب آجلًا والمدح والذم عاجلًا شرعي" فلذلك عدلت أنا في بيان وجه الملازمة إلى ما يوافق عليه الخصم وهو لزوم العبث بناء على مذهبه في حكمة الله. وبعد فإن هاتين المقدمتين إنما يدفع بهما السند الأول للمنع وهو الذي أشار له المصنف بقوله "لاحتمال أن يكون المكلف أطاع" وأما السند الثاني المشار إليه بقوله "أو يكون عصى غير أن العذاب الخ" فلم يدفعه المص بشيء وقد علمت أنه محط المنع فكان أجدر بالدفع. والظاهر أن المصنف استغنى عن دفعه بدفع الأول لأن
[ ١ / ١١٠ ]
حاصل المنع بسنديه مبني على جعل نفي التعذيب حقيقة بناء على الظاهر فلما تبين بالمقدمتين أنه مجاز في نفي التكليف علم أن الغاية وهي حتى نبعث رسولًا ليست ح غاية للتعذيب حتى يرد عليها ذلك السند الثاني بل هي غاية للتكليف وعليه فلا تحتمل كون المراد تقدير العذاب قبل البعثة ولا يظهر إلا بعد البعثة. ولذلك عدلت أنا عن تقرير كلام المص إلى بيان كون المراد من نفي التعذيب المجاز عن نفي التكليف وجعلت الغاية قرينة لأني رأيت ذلك أفصح عن المراد وأسرع في ابكات المانع من أول الأمر وأوفق بشرط كون الدفع موافقًا لمذهب المانع ووكلت بيان الملازمة إلى مقدمتي المصنف وإلى ما هو شائع في عرف الشرع والله أعلم.