[ ١ / ٥٥ ]
البطليوسي ثم الباجي الأندلسي ولد بباجة من مملكة أشبيلية سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة وتوفي بالمرية سنة ٤٧٤ أربع وسبعين وأربعمائة وهو الإمام المحقق أخذ عن ابن مغيث وأبي ذر الهروي ورحل إلى المشرق وتنقل فيه ولقي مشاهير رجال ذلك العصر ثم رجع إلى الأندلس بعلم وافر فأخذ عنه الطرطوشي والصدفي وابن عبد البر وهو زعيم النهضة العلمية في الأتدلس بعد أن كان قصارى علمائها الفقه والرواية ونال وجاهة عند ملوك الأندلس وسعى بينهم يؤلفهم على وحدة الإسلام لحفظ ممالكهم من السقوط المتوقع ولكنه كان يحاول تدارك ما فات ووقعت له محنة بسبب قوله أن النبي ﷺ كتب كلمة في صلح القضية على ما اقتضاه حديث البخاري فثارت أعداؤه وأشاعوا قوله للعامة وقام بالنكير عليه بعض خطبائهم في الجمع وقال القاضي عياض ولم ينكر عليه أولو التحقيق ولولا تعلقه بالدولة لانتقموا منه ونقل عنه أنه قال لمن لامه على صحبة السلطان لولا السلطان لنقلت نقل الذر من الظل إلى الشمس. ولي قضاء كور من الأندلس وألف شرحين للموطأ منهما المنتقي والاستيفاء واختصار المدونة وشرحها وله في الأصول أحكام الأصول والإشارة والمنهاج (قوله ومن ذلك قول الشاعر وحديث الذه الخ) الشاعر هو مالك بن أسماء الفزاري صهر الحجاج وقبل البيتين.
امغطي مني على بصر للـ ـحب أم أنت أكمل الناس حسنًا
وحمل اللحن في البيت على معنى فلتات الكلام تأويل به الحجاج كلام صهره كما نقله صاحب الأغاني ونقله الميداني عن ابن دريد أيضًا وأما المحققون فقد فسروه باللحن بمعنى الخطأ في الإعراب قال الجاحظ في كتاب البيان
[ ١ / ٥٦ ]
أن الشاعر استملح اللحن من بعض نسائه إلا أن ابن دريد فيما نقل صاحب مجمع الأمثال عده من غلط الجاحظ وقال أبو علي القالي في أماليه اللحن بفتح الحاء الفطنة وربما اسكنوها وأصله أن تريد الشيء فتوري عنه بقول آخر اهـ فيستخلص من كلامهم أن أصل معنى اللحن في اللغة الإظهار والبيان فمن ذلك ما في الحديث ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته أي أقدر على إظهار حجته ومنه التلحين أيضًا وهو التصويت بالكلام ثم سموا الغلط لحنًا لأنه يحفظ عن صاحبه ويشتهر أو أنهم شبهوه بالخروج عن سياق الكلام إلى غير ما يظهر منه تلطفًا في التغليط كما يقولون سبق قلم أو أنه من الأضداد تهكمًا. والظاهر في معنى البيت ما ذكره الجاحظ بدليل مقابلته لقوله منطق صائب وبدليل سياق البيت (قوله وقولي في مفهوم المخالفة أنه إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه احتراز عما توهمه الشيخ ابن أبي زيد الخ) أي على ما فهمه عنه المازري في شرح التلقين من كون طريق استدلال الشيخ ومن سبقه بالآية هو الأخذ بمفهوم المخالفة كما سيأتي. ولقد أشكل على الناس من قديم وجه استدلال الشيخ تبعًا لابن عبد الحكم فذهبوا فيه شعيًا. وجاء البعض في جانب المستدل من القول شنعًا. وكأنكم بعد متعطشون إلى صبابة من التحقيق تخمدون بها أوامكم. وتشفون بها شوقكم إلى الحق وغرامكم، فاعلموا أن عبارة الشيخ في النوادر نصها "اختلف
[ ١ / ٥٧ ]
الناس في الصلاة على الجنازة فقيل فريضة يجملها من قام بها لقوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا فدل أنه مأمور بالصلاة على غيرهم وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين اهـ" وصرح المازري في شرح التلقين بأن المستدل بذلك هو ابن عبد الحكم وكذلك قال ابن رشد في المقدمات. فأما توجيه الاستدلال على وجوب صلاة الجنازة بالآية فللناظرين فيه طريقان الأول قال اللخمي في توجيهه ورده "وجهه أن النهي عن الشيء أمر بضده إذ كان له أضداد فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحتها على المؤمنين والندب والوجوب فليس لنا أن نحمل الآية على الوجوب دونهما اهـ" أي فهو غير منتج للوجوب واعتذر المازري عن الشيخ ابن أبي زيد بأن الإباحة وإن كانت أحد الأضداد إلا أن الإجماع منع من الحمل عليها فلم يبق إلا الندب أو الوجوب قلت وهذا أيضًا لا يعين الوجوب مع أنه هو المطلوب. ولقد وقع سهو في كلام اللخمي إذ قال فضد المنع من الصلاة الخ فجعل الضد للحكم مع أن الضد إنما يؤخذ للمحكوم به لا للحكم والمحكوم به هو الصلاة على المنافقين وضدها هو عدم الصلاة عليهم فيكون عدم الصلاة عليهم مأمورًا به ولا شك أن هذا لا يفيد حكم الصلاة على المؤمنين كما أشار له المازري وقال "أن اللخمي لم يكن من خائضي علم الأصول بل حفظ منه شيئًا ربما وضعه في غير موضعه كهذه فمرة مثل الضد بنقيض الفعل ومرة مثله بنقيض الحكم والثاني من قاعدة المفهوم وشرط الأول اتحاد متعلق الحكم وشرط الثاني تعدده اهـ" كلام المازري قلت: وقد سلك القاضي ابن العربي في القبس مثل طريق اللخمي فيما فهمه من وجه استدلال ابن عبد الحكم فقال في باب الجنائز
[ ١ / ٥٨ ]
ما نصه: قال بعض علمائنا الصلاة على الميت فرض لقول الله تعالى ولا تصل الآية فلما حرم الصلاة على المنافقين وجبت الصلاة على المؤمنين وهذه عثرة لا لعالها (١) فكأنه أشار إلى أن النهي عن الشيء أمر بضده وليس هذا منه لأن الصلاة على المنافقين ليست بضد الصلاة على المؤمنين لا فعلًا ولا تركًا اهـ. الطريق الثاني قال المازري: وجه الاستدلال الأخذ بدليل الخطاب - أي مفهوم المخالفة- هكذا رماها كلمة مجملة وتحقيقًا أن الآية نهت عن الصلاة على المنافقين وذكرت وصفًا وهو قوله "منهم" ثم ذكرت علة للمنع وهو "أنهم كفروا بالله ورسوله الخ" فإن إن متى جاءت لمجرد الاهتمام بالخبر لا لرد الإنكار أغنت عن الفاء وأفادت من التعليل والربط ما تفيده الفاء كما صرح به في دلائل الإعجاز واستشهد له بقول بشار
بكرًا صاحبي قبل الهجير إن ذاك النجاح في التكبير
فلما كان للمنهي عنه صفة وعلة صح أن يؤخذ منها مفهوم متماثل وهو غيرهم ممن لم يكفر بالله ورسوله فيثبت له نقيض حكم صلاتهم وهذا لا يثبت الوجوب ولذا قال المازري أن الشيخ يرى أن المفهوم يثبت الضد لا النقيض. وأقول لو كان مقتضى المفهوم مسألة اصطلاحية لا مكن لكل أحد أن يدعي فيها مذهبًا من ضد أو نقيض ولكنه أمر مأخوذ من دلالة عقلية مستفادة من معان لغوية لأن المفهوم يرجع إلى أن تقييد الخبر أو الأمر بقيد يقتضي لا محالة احتراز المخبر أو الآمر عن خلاف مدلول ذلك القيد فلا يشمله الحكم وإذا لم يشمله ثبت له نقيضه في ضمن ضد غير معين أما تعيين ضد دون غيره فلا قبل للفهم بإثباته وكأن هذا مراد المصنف إذ
_________________
(١) قال في الأساس ولعالك دعاء بالانتعاش قال الأعشى إذا عثرت * فالتعس أدنى لها من أن أقول لما كتبه مصححه.
[ ١ / ٥٩ ]
حكم على هذا القول بالوهم والزعم. وعندي أن وجه الاستدلال أحد أمرين: أما الأخذ بمفهوم المخالفة مع التزام الحق من أنه يثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ولنرجع لننظر في المنطوق به الآن ما هو فنرى أن كلًا من النهي والأمر له معنى وصيغة واسم وحكم اصطلاحية لجنسه يقتضيه فإذا أردنا أن نأخذ نقيض أحدهما لأجل المفهوم طرحنا اعتبار الحكم الذي يقتضيه وهو الرابع لأن الحكم شيء زائد على اللفظ ونحن قد قلنا أننا نأخذ نقيض المنطوق به فبقي في الاحتمال ثلاثة وبذلك يتضح لنا في تحقيق الاستدلال مسلكان: المسلك الأول أن نأخذ المفهوم باعتبار معنى النهي أو باعتبار اسم جنسه وهما يؤلان إلى غاية واحدة فمعنى النهي طلب الترك واسم جنسه نهي فنقيض طلب الترك أو النهي في الصلاة على المنافقين لكفرهم هو لا نهي أولًا طلب للترك في الصلاة على المؤمنين لعدم كفرهم وعدم النهي صادق بالإباحة والندب والوجوب فإذا كان الثلاثة على سواء في الاحتمال حملناه على الوجوب لأن شأن العبادات الندب أو الوجوب وتعيين الوجوب للاحتياط المسلك الثاني أن نعتبر الصيغة الاصطلاحية فنأخذ في المسكوت عنه نقيضها وصيغة النهي هي لا تصل وإذا كان نقيض كل شيء رفعه فرفع النهي برفع داله وهو ولا الناهية فتثبت صيغة الأمر وهي صل: وبيان هاته الملازمة أن النهي والأمر صيغتان تعتوران المضارع يدل عليهما الجزم المؤذن بالتحقيق والقطع فيخرج به المضارع من الخبر إلى الإنشاء إذ لتحقيق أن الأمر هو المضارع المثبت دخله الجزم فانقلب إنشاء والنهي هو المضارع المنفي دخله الجزم ليصير إنشاء بناء على المذهب الكوفي الذي يرى أن الأمر مقتطع
[ ١ / ٦٠ ]
من المضارع فإذا أردنا أن نأخذ نقيضًا لأحدهما فنقيض المثبت هو المنفي والعكس فنقيض لا تصل هنا صل وهو صيغة أمر بلا قرينة فتنصرف إلى الوجوب ويصلح للأمرين قول الشيخ في التقرير "فدل أنه مأمور بالصلاة على غيرهم" هذا غاية ما يمكن أن يعتذر به اعتذارًا صحيحًا أو مقبولًا في الجملة للطافة فيه تلحقه بالنكت التي يعز بسامعها إبطالها. وإما (١) أن يكون وجه الاستدلال بالآية من طريق دلالة الإشارة وذلك أن النهي عن الصلاة على المنافقين لما كان مشيرًا إلى تحقيرهم لأجل نفاقهم وعنادهم كان مشيرًا إلى وجوبها على المؤمنين تكريمًا لهم لإيمانهم وأن النهي عن الصلاة على المنافقين مؤذن بوجود صلاة مشروعة على المؤمنين متعينة لديهم من قبل يقصدها النبي ﷺ عند كل وفاة تقع فلذلك نبه على تركها في وفيات الكافرين ونظير هذا الاستدلال يقع كثيرًا للفقهاء مثل استدلالهم على مشروعية الضمان بآية "وأن به زعيم" وعلى مشروعية الوكالة بقوله تعالى "فابعثوا أحدكم بورقكم هذه" والله أعلم (قوله ويعرض بين مفهوم العلة والصفة جواب الخ) لاشك أن المراد من العلة في تعداد المفاهيم العلة النحوية وهي ما يدل على أن الفعل وقع لأجله مثل لام التعليل وكي والمفعول لأجله وغير ذلك لا العلة التي هي أحد أركان القياس وعليه فالفرق بينها وبين الصفة النحوية لا يحتاج إلى بيان ولا يرد عليه سؤال كما توهمه المص وكون الصفة قد تكون علة كالعكس في نحو ما أسكر قهو حرام من جهة الإيماء بتعليق الحكم على المشتق لا يضر لأن الكلام على تعداد المفاهيم لا على معان مختلفة أو متفقة ألا ترى أنهم عدوا
_________________
(١) قوله في الحاشية وأما معطوف على قوله أما الأخذ بمفهوم المخالفة في صفحة ٦٠.
[ ١ / ٦١ ]