وَإِنْ كَانَ التَّرَاخِي فِيهِ غَيْرَ وَاجِبٍ فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَلَا نَعْرِفُهُ أَوْ هُوَ لِلْفَوْرِ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ أَوْ التَّرَاخِي لِأَنَّهُ يَسُدُّ عَنْ الْفَوْرِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِامْتِنَاعِ التَّقْدِيمِ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَهُوَ الْأَوَّلُ الرَّاجِحُ أَيْ طَلَبُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَقْتٍ مِنْ فَوْرٍ أَوْ تَرَاخٍ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ (الرَّازِيّ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَ) الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ (الشِّيرَازِيُّ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (وَعَبْدُ الْجَبَّارِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (الْأَمْرُ) بِشَيْءٍ
_________________
(١) [حاشية العطار] بَلْ جَوَازًا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الِامْتِثَالِ يُلَائِمُ الْقَوْلَ بِالتَّوَقُّفِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ ثُمَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَقَفَ عَطْفًا عَلَى مَنْ مَنَعَ لَيْسَ عَلَى مَنْ يَنْبَغِي أَيْضًا إذْ الْوَاقِفِيَّةُ طَائِفَتَانِ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ وَحَاوَلَ سم رَدَّ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْكُورَانِيُّ مُفَرِّعًا عَلَى كَلَامٍ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِيهِ حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ وَإِنْ كَانَ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ هُوَ قَوْلٌ ثَابِتٌ وَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ خَرْقُهُ لِلْإِجْمَاعِ وَلَا ثُبُوتُ الْقَوْلِ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ الِامْتِثَالِ وَعَدَمِهِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْمُسْتَصْفَى وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فَقَالَ يُتَوَقَّفُ فِي الْمُبَادِرِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ الَّذِي صَدَّرَ كَلَامَهُ بِعِبَارَتِهِ وَإِنْ بَادَرَ بِفِعْلِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَانْقَطَعَ بِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا مَعَ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ حَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ غُلَاةِ الْوَاقِفِيَّةِ إنَّا لَا نَقْطَعُ بِأَمْثَالِهِ بَلْ نَتَوَقَّفُ فِيهِ إلَخْ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَمَنْ وَقَفَ هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِهِ الَّذِي أَطَالَهُ جِدًّا وَزَادَ مَا هُوَ دَيْدَنُهُ مِنْ الْحَطِيطَةِ عَلَى الْكُورَانِيِّ بِتَجْوِيزِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ آخَرَ يُوَافِقُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهُ مِمَّا قَدْ فَرَغْنَا مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ رَجَعَ الْأَمْرُ فِي كَلَامِهِ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى قَوْلَيْ الْوَقْفِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْمَذْهَبَ الْخَارِقَ لِلْإِجْمَاعِ ثَابِتٌ نَحْنُ لَا نَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَلَا يُنْكِرُ ثُبُوتَهُ أَحَدٌ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ التَّنْبِيهِ عَلَى خَرْقِهِ لِلْإِجْمَاعِ فَرُبَّمَا اعْتَقَدَ الْوَاقِفُ عَلَى الْكِتَابِ صِحَّتَهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ لِامْتِنَاعِ التَّقْدِيمِ. وَمِنْ هُنَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الشَّارِحِ مُؤَاخَذَةٌ فِي عَدَمِ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ أَنَّ الْعَلَّامَةَ سم اقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِ عِبَارَةِ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَقْنَعٌ وَغُنْيَةٌ عَنْ التَّطْوِيلِ قَالَ فِي نِهَايَتِهِ مَا نَصُّهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ أَيْ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمُعْظَمُ أَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَعَدَدٌ جَمْعًا مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ إلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فَعَلَى هَذَا مَهْمَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ الْمَأْمُورَ بِهِ مُبَادِرًا أَوْ مُؤَخِّرًا كَانَ مُمْتَثِلًا وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِي فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْمُبَادِرُ مُمْتَثِلًا. وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَنُسِبُوا فِيهِ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ تَوَقُّفَ الِاشْتِرَاكِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ تَوَقُّفَ اللَّا أَدْرِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا إلَى غُلَاةٍ وَمُقْتَصِدَةٍ أَمَّا الْغُلَاةُ فَهُمْ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا فِي الْمُبَادِرِ وَالْمُؤَخِّرِ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا وَنُسِبُوا أَيْضًا إلَى خَرْقِ إجْمَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَاطِعِينَ إلَى أَنَّ الْمُبَادِرَ مُسَارِعٌ فِي الِامْتِثَالِ وَمُبَالِغٌ فِي الطَّاعَةِ. وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُونَ فَهُمْ الَّذِينَ قَطَعُوا بِامْتِثَالِ الْمُبَادِرِ وَتَوَقَّفُوا فِي الْمُؤَخِّرِ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَأْثِيمِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤَثِّمْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَصْلَ الْمَطْلُوبِ اهـ. (قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ) أَيْ لَوْ قِيلَ بِالْوَضْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ) أَيْ الْأَحَدُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ) فِيهِ نَظَرٌ مَعَ احْتِمَالِ التَّرَاخِي. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَسُدُّ إلَخْ) لِأَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً عَنْهُ. (قَوْلُهُ: مِنْ فَوْرٍ إلَخْ) أَيْ مِنْ ذِي فَوْرٍ إلَخْ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ هُوَ الْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي لِأَنَّ الْفَوْرَ الْمُبَادَرَةُ وَالتَّرَاخِي التَّأْخِيرُ [الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ] (قَوْلُهُ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) يُوهِمُ كَلَامُهُ انْفِرَادَهُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ غَيْرُهُ بَلْ الْمَنْقُولُ فِي التَّلْوِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لِجُمْهُورِهِمْ حَتَّى قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ. (قَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِشَيْءٍ إلَخْ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّفْظِيِّ كَمَا فَعَلَ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَا هُنَا يَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ بِأَمْرٍ
[ ١ / ٤٨٥ ]
مُؤَقَّتٍ (يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ) لَهُ إذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي وَقْتِهِ لِإِشْعَارِ الْأَمْرِ بِطَلَبِ اسْتِدْرَاكِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ (وَقَالَ الْأَكْثَرُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ) كَالْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا
_________________
(١) [حاشية العطار] جَدِيدٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ يُوصَفُ بِالتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ الْحَادِثُ. (قَوْلُهُ: مُؤَقَّتٌ) خَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ الْمُطْلَقُ وَذُو السَّبَبِ إذْ لَا قَضَاءَ فِيهِمَا اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ) أَيْ الْأَمْرَ بِهِ. (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَفْعَلْ) قَالَ النَّاصِرُ ظَرْفٌ يَسْتَلْزِمُ لَا لِلْقَضَاءِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِ عَدَمِ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّ وَقْتَ عَدَمِ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي مَضَى مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَالْقَضَاءُ فِي وَقْتٍ بَعْدَهُ وَفِيهِ أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ فَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِلْزَامَ ذَاتِيٌّ لِلْأَمْرِ لَا أَنَّهُ فِي وَقْتِ عَدَمِ الْفِعْلِ اللَّازِمِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَضَاءِ وَفِي الظَّرْفِيَّةِ تَسَمُّحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَضَاءَ يَتَّصِلُ بِآخِرِ وَقْتِ عَدَمِ الْفِعْلِ أَوْ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ وَقْتُ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ وَقْتَ الْحُكْمِ بَعْدَ الْفِعْلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ. (قَوْلُهُ: لِإِشْعَارِ الْأَمْرِ) أَيْ إعْلَامِهِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ إشْعَارًا أَنَّهُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى لَازِمِ مَعْنَاهُ وَفِيهَا خَفَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ. (قَوْلُهُ: بِطَلَبِ اسْتِدْرَاكِهِ) أَيْ اسْتِدْرَاكِ الْفِعْلِ إنْ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِهِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَقُولُ الْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَارِجَهُ قَالَ سم وَشَرَحَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ إنَّ نَحْوَ صُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُقْتَضَاهُ أَمْرَانِ إلْزَامُ الصَّوْمِ وَكَوْنُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الثَّانِي لِفَوَاتِهِ بَقِيَ اقْتِضَاءُ الصَّوْمِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْجَوَابِ بِمَنْعِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَكْثَرُ) قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. (قَوْلُهُ: بِأَمْرٍ) جَدِيدٍ أَيْ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَا بِالْأَوَّلِ ثُمَّ إنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ جَدِيدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا إلَى عَدَمِ الْفِعْلِ (قَوْلُهُ: كَالْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ أَوَّلُهُمَا دَالٌّ عَلَى حُكْمِ النِّسْيَانِ وَثَانِيهمَا عَلَى حُكْمِ الرُّقَادِ وَالْفَضْلَةُ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ النِّسْيَانِ وَيَبْقَى حُكْمُ التَّرْكِ عَمْدًا قَصْدًا وَلَعَلَّهُ مُسْتَفَادٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ مَعَ الْعُذْرِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى اهـ. سم. (قَوْلُهُ: فَلْيُصَلِّهَا) وَجْهُ
[ ١ / ٤٨٦ ]
إذَا ذَكَرَهَا» .
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا وَالشِّيرَازِيُّ مُوَافِقٌ لِلْأَكْثَرِ كَمَا فِي لُمَعِهِ وَشَرْحِهِ فَذِكْرُهُ مِنْ الْأَقَلِّ سَهْوٌ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ) أَيْ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ (يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ) لِلْمَأْتِيِّ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْزَاءَ الْكِفَايَةُ
_________________
(١) [حاشية العطار] الدَّلَالَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فَلْيُصَلِّهَا أَمْرٌ جَدِيدٌ غَيْرُ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الثَّانِي. (قَوْلُهُ: إذَا ذَكَرَهَا) فِيهِ اكْتِفَاءٌ أَيْ أَوْ اسْتَيْقَظَ أَوْ أَنَّ الذِّكْرَ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ وَالْمَعْنَى إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ النِّسْيَانِ أَوْ النَّوْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا تَذَكُّرَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ) رَدٌّ لِقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ بِمَنْعِ كَوْنِ مُقْتَضَاهُ وُجُودَ الْفِعْلِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: لَا مُطْلَقًا) إذْ لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْفِعْلَ دُونَ كَوْنِهِ فِي الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ لَمْ يُفِدْ التَّحْدِيدُ بِالْوَقْتِ وَقَدْ يُقَالُ غَرَضُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْ لَا بِالذَّاتِ. وَأَمَّا الْوَقْتُ فَبِطَرِيقِ التَّبَعِ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ بَقِيَ الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ قَصْدًا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ وَالتَّتِمَّةِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ إلَخْ) أَحْوَجَهُ إلَى هَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ اسْمٌ لِذَاتِ الْفِعْلِ وَمُجَرَّدُ الْإِتْيَانِ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَأَفَادَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الذَّاتِ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَيْدَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا إذَا أَتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَوْقَعَهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُقَيِّدْ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَمَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ يَقْضِي إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْوَجْهِ لَا بِالْفِعْلِ أَجَابَ عَنْهُ سم بِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْأَمْرِ بِالْوَجْهِ الْأَمْرُ بِذِي الْوَجْهِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْوَجْهِ بَلْ لَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ مَأْمُورٌ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَمْرَهُ بِهِ أَمْرٌ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ وَمَعَهُ فَالْإِفْضَاءُ الَّذِي ادَّعَاهُ مَمْنُوعٌ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ) أَيْ وَلَوْ فِي ظَنِّهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْزَاءَ الْكِفَايَةُ) حَاصِلُهُ بِنَاءُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلَافِ
[ ١ / ٤٨٧ ]
فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُسْقِطَ الْمَأْتِيُّ بِهِ الْقَضَاءَ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْفِعْلِ ثَانِيًا كَمَا فِي صَلَاةِ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْأَمْرَ) لِلْمُخَاطَبِ (بِالْأَمْرِ) لِغَيْرِهِ (بِالشَّيْءِ) نَحْوُ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] (لَيْسَ أَمْرًا) لِذَلِكَ الْغَيْرِ (بِهِ) أَيْ بِالشَّيْءِ وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ بِهِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ.
وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْآمِرَ) بِالْمَدِّ (بِلَفْظٍ يَتَنَاوَلُهُ) كَمَا فِي قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ أَكْرِمْ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْك.
وَقَدْ أَحْسَنَ هُوَ إلَيْهِ (دَاخِلٌ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ مَا أَمَرَ بِهِ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ لِبُعْدِ أَنْ يُرِيدَ الْآمِرُ نَفْسَهُ وَسَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ
_________________
(١) [حاشية العطار] فِي تَفْسِيرِ الْإِجْزَاءِ وَاَلَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ حَتَّى الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ إنَّ الْخِلَافَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَفْسِيرِ الْإِجْزَاءِ بِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ أَمَّا إذَا فُسِّرَ بِالْكِفَايَةِ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فَالْإِتْيَانُ يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ بِلَا خِلَافٍ فَالْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةٌ عَلَى ضَعِيفٍ كَذَا قِيلَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ بِلَا خِلَافٍ أَيْ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ كَمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةً عَلَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا مَعًا كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا فُعِلَ خَارِجَ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ بِهِ) رُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ مُرْ عَبْدَك بِكَذَا مُتَعَدٍّ لِكَوْنِهِ أَمْرًا لِلْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلْعَبْدِ بَعْدَمَا ذَكَرَ لَا تَفْعَلْ يَكُونُ مُنَاقِضًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مَأْمُورًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لِأَنَّهُ أَمَرَ وَلِيَّهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ وَبِالصَّوْمِ فَيَكُونُ مُكَلَّفًا وَلَمْ يَقُلْ بِتَكْلِيفِهِ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ) أُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الْمُخَاطَبِ لَا الْأَمْرِ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لِهَذَا الْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالرَّجْعَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَمْرِ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ أَمْرُ نَدْبٍ فَالْأَمْرُ بِهَا مِثْلُهُ اهـ. قَالَ سم وَلَكَ مَنْعُ قَوْلِهِ لَا يَزِيدُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِسَاءَةُ بِالطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُقْتَضِيَةً لِوُجُوبِ الرَّجْعَةِ جَبْرًا لِهَذِهِ الْإِسَاءَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّوَابِ الْمُعْتَمَدِ فِيمَا إذَا ظَلَمَ إحْدَى نِسَائِهِ بِإِعْطَاءِ نَوْبَتِهَا لِغَيْرِهَا مِنْهُنَّ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ وَفَائِهَا حَقَّهَا. (قَوْلُهُ: مَنْ أَحْسَنَ إلَخْ) فَإِنَّ مَنْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ وَجَعَلَ مَنْ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهَا. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ إلَخْ) اعْتِذَارُهُ بِهَذَا عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِالتَّنَاقُضِ يَأْبَاهُ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ مِنْ حَمْلِ مَا هُنَا عَلَى الْإِنْشَاءِ مُطْلَقًا وَمَا هُنَاكَ عَلَى مَا يَعُمُّ الْإِنْشَاءَ وَالْخَبَرَ مِنْ غَيْرِ مُبَلِّغٍ بِخِلَافِ الْمُبَلِّغِ كَالنَّبِيِّ - ﷺ - الْأَمْرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَزِيرِ الْأَمْرَ عَنْ الْأَمِيرِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّعَسُّفِ مَعَ
[ ١ / ٤٨٨ ]
بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَقَدْ تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ تَصَدَّقْ عَلَى مَنْ دَخَلَ دَارِي وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ النِّيَابَةَ تُدْخِلُ الْمَأْمُورَ) بِهِ مَالِيًّا كَالزَّكَاةِ أَوْ بَدَنِيًّا كَالْحَجِّ بِشَرْطِهِ (إلَّا لِمَانِعٍ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ لَا تَدْخُلُ الْبَدَنِيَّ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِقَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِهَا بِفِعْلِهِ وَالنِّيَابَةُ تُنَافِي ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي الْحَجِّ قُلْنَا لَا تُنَافِيهِ لِمَا فِيهَا مِنْ بَذْلِ الْمُؤْنَةِ أَوْ تَحَمُّلِ الْمِنَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ قَالَ الشَّيْخُ) أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ (وَالْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ
_________________
(١) [حاشية العطار] وُرُودِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا قَالَ وَلَوْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى خِطَابٍ شَامِلٍ لَهُ نَحْوِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنَا بِكَذَا وَحَمْلِ مَا هُنَاكَ عَلَى خِطَابٍ لَا يَشْمَلُهُ نَحْوِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] كَانَ أَوْلَى وَاسْتَشْكَلَهُ تِلْمِيذُهُ الْبِرْمَاوِيُّ بِأَنَّ الْخِطَابَ إذَا لَمْ يَكُنْ شَامِلًا لَهُ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ فَلِهَذَا سَلَّمَ الشَّارِحُ تُنَافِيَهُمَا وَاعْتُذِرَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذَكَرَهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَشْهُورُ مَا هُنَاكَ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْأُصُولِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّصْحِيحَانِ كَائِنَانِ بِحَسَبِ إلَخْ (قَوْلُهُ: تَصَدَّقْ إلَخْ) فَإِنَّ السَّيِّدَ لَا يَقْصِدُ التَّصَدُّقَ مِنْ عَبْدِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لَهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّيَابَةَ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فِي الصَّوْمِ وَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا لِبَيَانِ حُكْمِهَا الشَّرْعِيِّ وَذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ عَقْلًا فَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لَهُمْ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ جِهَةَ الْبَحْثِ مُخْتَلِفَةٌ وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِ مَسْأَلَةٍ تَحْتَ عِلْمَيْنِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ جِهَةِ الْبَحْثِ فَالْفَقِيهُ يَبْحَثُ عَنْهَا مِنْ جِهَةِ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ وَالْأُصُولِيُّ مِنْ جِهَةِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا لِمَانِعٍ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْفَقِيهَ دُونَ الْأُصُولِيِّ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ فِي الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ وَلَا يُقَالُ إنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ قَطْعِيًّا وَإِنْ كَانَ عَقْلِيًّا لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَانِعَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْوُقُوعَ دُونَ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَكَذَا يُقَالُ فِي التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ كَمَا فِي الْحَجِّ بِشَرْطِهِ لِأَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْوُقُوعَ دُونَ مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا يَشْمَلُ الْجَوَازَ وَالْوُقُوعَ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَوُقُوعِهَا كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَدَنِيَّةِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى جَوَازِهَا وَوُقُوعِهَا وَمَنَعَهُ غَيْرُهُمْ اهـ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ كَنَفْيِ الْمَانِعِ بِالنَّظَرِ لِشِقِّ الْوُقُوعِ. (قَوْلُهُ: مَالِيًّا كَالزَّكَاةِ إلَخْ) التَّصْحِيحُ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ مِنْ الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ وَإِلَّا فَدُخُولُ النِّيَابَةِ فِي الْمَالِيِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الْكَمَالِ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: الْمَأْمُورَ بِهِ أَعَمُّ فَتَتَنَاوَلُهُ الْمَالِيَّةُ وَلَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ فِي أَمَالِيهِ الطَّاعَاتُ يَعْنِي الْبَدَنِيَّةَ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ إلَّا الْحَجَّ وَالصَّوْمَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا الْإِجْلَالُ وَالْإِثَابَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَكِيلِ تَعْظِيمُ الْمُوَكِّلِ اهـ. وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ وَمَقْصُودُ شَيْخِهِ الْآمِدِيِّ بَيَانُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ فَلَيْسَ كَلَامُهُمَا مَعًا كَكَلَامِ شَيْخِهِ كَمَا فَهِمَهُ أَبُو زُرْعَةَ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ اهـ. (قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ) أَيْ شَرْطِ قَبُولِهِ النِّيَابَةِ أَوْ بِشَرْطِ الِاسْتِنَابَةِ وَهُوَ الْعَجْزُ أَوْ الْمَوْتُ. (قَوْلُهُ: إلَّا لِمَانِعٍ) فَإِذَا انْتَفَى الْمَانِعُ جَازَتْ بِدُونِ ضَرُورَةٍ عِنْدَنَا دُونَ الْمُعْتَزِلَةِ فَنَحْنُ نَشْتَرِطُ لِلْجَوَازِ عَدَمَ الْمَانِعِ وَهُمْ يَشْتَرِطُونَ لَهُ الضَّرُورَةَ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الصَّلَاةِ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمَانِعَ فِيهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُنَافَاةَ النِّيَابَةِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ وَقَهْرِهَا لِأَنَّ هَذَا هُوَ حُجَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْبَدَنِيِّ مُطْلَقًا وَقَدْ رَدَّهَا نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَانِعُ كَوْنَ الْمَقْصُودِ الْكَسْرَ وَالْقَهْرَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مَعَ النِّيَابَةِ وَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا مُطْلَقُ الْكَسْرِ وَالْقَهْرِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: مِنْ بَذْلِ الْمُؤْنَةِ) إنْ كَانَتْ النِّيَابَةُ
[ ١ / ٤٨٩ ]