اولا: ان القياس طريق غير مأمون لانه عمل بالظن وقد قال الله (ان الظن لا يغني م الحق شيئا) يونس ٣٦ وقوله (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الانعام ١١٦ وقوله تعالي (ولا تقف ماليس لك به علم) الاسراء ٣٦ وقول النبي صلي الله عليه وسلم ﴿اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث﴾ متفق عليه من حديث أبي هريرة
ثانيا: قوله تعالي (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء ١٠٥ قالوا بما أراك الله لا بما رأيت.وقال تعالي (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ على نَفْسِي وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) [سبأ: ٥٠] فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي. نسب ذلك اليهم الشنقيطي في اضواء البيان
ثالثا: ان القياس فيه اختلاف كثير وهذا دليل بطلانه لانه لو كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف واستدلوا بقوله تعالي (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء ٨٢
ثانيا: قالوا ان العمل بالقياس حكم بغير ما انزل الله وفي هذا ما فيه وقالوا انه تشريع في دين الله لم ياذن به الله ولا رسوله واستدلوا بقوله تعالي: (زمن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) وقوله تعالي (ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) وغيرها من الايات التي في نفس المعني، (قال أبو محمد فنص رسول الله ﷺ على أن ما لم يوجبه فهو غير واجب وما أوجبه بأمره فواجب ما أستطيع منه وأن ما لم يحرمه فهو حلال وأن ما نهى عنه فهو حرام فأين للقياس مدخل والنصوص قد استوعبت كل ما اختلف الناس فيه وكل نازلة تنزل إلى يوم القيامة باسمها وبالله تعالى التوفيق
وقال تعالى ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من لدين ما لم يأذن به لله ولولا كلمة لفصل لقضي بينهم وإن لظالمين لهم عذاب أليم﴾
قال أبو محمد فصح بالنص أن كل ما لم ينص عليه فهو شيء لم يأذن به الله تعالى وهذه صفة القياس وهذا حرام
وقال تعالى ﴿وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بلكتاب لتحسبوه من لكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند لله ويقولون على لله لكذب وهم يعلمون﴾
قال أبو محمد فكل ما ليس في القرآن والسنة منصوصا باسمه واجبا مأمورا به أو منهيا عنه فمن أوجبه أو جرمه أو خالف لما جاء به النص فهو من عند غير الله تعالى والقياس غير منصوص على الأمر به فيهما فهو من عند غير الله تعالى وما كان من عند غير الله تعالى فهو باطل)
[ ٥ ]
رابعا: (قالوا لا يجوز الحكم البتة في شيء من الأشياء كلها إلا بنص كلام الله تعالى أو نص كلام النبي ﷺ أو بما صح عنه ﷺ من فعل أو إقرار أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها متيقن أنه قاله كل واحد منهم دون مخالف من أحد منهم أو بدليل من النص أو من الإجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا والإجماع عند هؤلاء راجع إلى توقيف من رسول الله ﷺ ولا بد من لا يجوز غير ذلك أصلا) انتهي من الاحكام لابن حزم
خامسا: قالوا ان الشريعة اشتملت علي جميع الاحكام قال تعالي (ما فرطنا في الكتاب من شئ) الانعام ٣٨ وقوله تعالي (تبيانا لكل شيئ) النحل ٨٩ وقوله تعالي (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) العنكبوت: ٥١ وقوله تعالي (اليوم اكملت لكم دينكم) المائدة ٣ وقوله تعالى ﴿ومن لإبل ثنين ومن لبقر ثنين قل ءآلذكرين حرم أم لأنثيين أما شتملت عليه أرحام لأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم لله بهذا فمن أظلم ممن فترى على لله كذبا ليضل لناس بغير علم إن لله لا يهدي لقوم لظالمين﴾ الانعام ١٤٤
(قال أبو محمد فصح أن كل ما لم يأتنا به وصية من عند الله ﷿ فهو افتراء على الله كذب وناسبه إلى الله تعالى ظالم ولم تأتنا وصية قط من قبله تعالى بالحكم بالقياس فهو افتراء وباطل وكذب بل جاءتنا وصاياه ﷿ بألا نتعدى كلامه وكلام رسوله ﷺ وألا نحرم ولا نوجب إلا ما أوجبا وحرما ونهيا فقط فبطل كل ما عدا ذلك والقياس مما عدا ذلك فهو باطل) انتهي من الاحكام لابن حزم
[ ١٢ ]
خامسا: استدلوا بقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) قالوا ان الله نهانا ان نتقدم بين يديه ويدي رسوله برأي والقياس تقديم بين يدي الله ورسوله لانه حكم بغير قوليهما
سادسا: قالوا ان مالا نجد له حكما وجب علينا فيه استصحاب البراءة الاصليه واستدلوا بقوله تعالي (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) البقرة ٢٩ وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) البقرة ١٦٨
وقالوا ان براءة الذمة متيقنة والقياس مظنون فكيف نترك المقطوع به لنعمل بالمظنون
[ ١٣ ]
سابعا: قالوا ان الواجب عند التنازع في مسألة الرد الي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وليس الي القياس الذي مرجعه الي الظنون قال تعالي (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) الاعراف ٣ وقوله (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) الشوري ١٠ وقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء ٥٩ وقوله (وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله) المائدة ٤٩ وقوله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء ٦٥
[ ٦ ]