أولا:اما قولهم ان القياس ظن وطريق غير مأمون واستدلاهم بالايات والاثار التي فيها النهي عن اتباع الظن مثل قوله تعالي (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الاسراء (٣٦) فهذا تفسيرها قال الالوسي في روح المعاني (واحتج بالآية نفاة القياس لأنه قفو للظن وحكم به. وأجيب بانهم أجمعوا على الحكم بالظن والعمل به في صور كثيرة فمن ذلك الصلاة على الميت ودفنه في مقابر المسلمين وتوريث المسلم منه بناء على أنه مسلم وهو مظنون والتوجه إلى القبلة في الصلاة وهو مبني على الاجتهاد بإمارات لا تفيد إلا الظن وأكل الذبيحة بناء على أنها دبيحة مسلم وهو مظنون والشهادة فإنها ظنية وقيم المتلفات واروش الجنايات فإنها لا سبيل إليها الا الظن، ومن نظر ولو بمؤخر العين رأى أن جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجل المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وقد قال ﷺ: «نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر» فالنهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بالعقائد وبأن الظن قد يسمى علمًا كما في قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار﴾ الممتحنة ١٠ فإن العلم بإيمانهن إنما يكون بإقرارهن وهو لا يفيد إلا الظن
[ ٢٨ ]
، وبأن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس كان ذلك الدليل دليلًا على أنه متى حصل ظن أن حكم الله تعالى في هذه الصورة يساوي حكمه في محل النص فانتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن فههنا الظن واقع في طريق الحكم وأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن) انتهي من تفسير الالوسي.قلت فالظن المبني علي اجتهاد صحيح يجب العمل به ومما يدل علي ذلك ما رواه البخاري ومسلم وابو داؤود والنسائي وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال (وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) فامر من شك ان يجتهد ويتحرالصواب وهو مبني علي غلبة الظن،فهذا امر من النبي بالعمل بالظن، ومما يدل ايضا علي العمل بالظن ما رواه الترمذي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ وَأَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا قَالُوا إِذَا صَلَّى فِي الْغَيْمِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ بَعْدَمَا صَلَّى أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ) والحديث عند البيهقي من رواية جابر بن عبد الله ﵄.
[ ٢٩ ]
ثانيا: استدلالهم بقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٥٩) فقد قال الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان (استدل منكرو القياس بهذه الآية الكريمةعلى بطلان القياس قالوا: لأنه تعالى أوجب الرد إلى خصوص الكتاب والسنة دون القياس، وأجاب الجمهور بأنه لا دليل لهم في الآية. لأن إلحاق غير المنصوص بالمنصوص لوجود معنى النص فيه لا يخرج عن الرد إلى الكتاب والسنة)، بل قال بعضهم: الآية متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فالمراد بإطاعة الله العمل بالكتاب وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس. لأن رد المختلف فيه غير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه، إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئًا وراء ذلك.) انتهي من اضواء البيان
ثم ان بحثنا معكم في الاية في مسألتين،الاولي في القضية المتنازع فيها، والثانية في كيفية الرد الي الله والرسول، اما المسألة الاولي وهي القضية المتنازع فيها هل ورد حكمها في الشرع أم لا؟ فان كان ورد حكمها في الشرع بدليل صحيح صريح
فقد وجب حينئذ الطاعة والانقياد للدليل وحرم التنازع،وهذا الاحتمال غير وارد في الاية لانه لا يصح. أما الاحتمال الاخر فهو ان تكون القضية المتنازع فيها لم يرد حكمها في قران ولا سنة ولا اجماع، وهذا هو الاحتمال الصحيح من الاية. أما المسألة الثانية وهي كيفية الرد الي الله ورسوله فاما ان يكون بترك الحكم في القضية فيترتب عليه ضياع الحقوق،وهذا لا يجوز أصلا وليس من العدل الذي امر الله به،وإما ان يكون الرد الي الله ورسوله بالاجتهاد لاستخراج الحكم في القضية والقياس فرع من الاجتهاد بل هو عماده وأسه فثبت القول بالقياس واتضح ان الاية حجة لنا لا علينا.
[ ٤١ ]
أما استدلالهم بالايات علي ان القياس حكم بغير ما انزل الله وتشريع لما لم يأذن به الله فنقول ان عملنا بالقياس عمل بكتاب الله وقد اذن الله
به وقد ذكرنا الأدلة التي تثبت ذلك فيما مضي.
ونقول ايضا ان الايات متوجة لمن ترك حكم الله المنزل وعمل بالهوي وتشريعا البشر كما عمل التتربالياسق وكما حكم الظالمون المفسدون في الارض اليوم قوانين الفرنج وأرغموا الناس علي التحكام بها، قال تعالي (أفحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون)
المائدة ٥٠ قال ابن كثير ﵀ في تفسير الاية (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها (٣) بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق (٤) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [ﷺ] (٥) فلا يحكم سواه (٦) في قليل ولا كثير)
[ ٤٢ ]
ثالثا: اما استدلالهم بقوله تعالي: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)
وغيرها من الايات التي في نفس المعني فانا نقول لهم نحن لم ننكر ان القران قد تضمن جميع الاحكام لكنا لا نقصر دلالته علي الاحكام علي مقتضي النص كما فعلتم والا فهناك مسائل كثيرة لم يرد حكمها بالنص عليها، قال في المستصفي (وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَسْأَلَةُ الْجَدِّ، وَالْإِخْوَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْحَرَامِ إذَا لَمْ يَكُنِ الِاقْتِبَاسُ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْكِتَابِ.)
وقال ابن قدامة في روضة الناظر (الجواب أما قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء فإن القرآن دل على جميع الأحكام لكن إما بتمهيد طريق الاعتبار وإما بالدلالة على الإجماع والسنة وهما قد دلا على القياس فيكون الكتاب قد بينه وإلا فأين في الكتاب مسألة الجد والإخوة والعول والمبتوتة والمفوضة والتحريم وفيها حكم لله شرعي
ثم قد حرمتم القياس وليس في القرآن تحريمه) انتهي منه. لذا قلنا ان القران تضمن جميع الاحكام بجميع دلالات الالفاظ
فالقران قد دل علي حميع ما ورد في السنة باية واحدة وهي قوله تعالي (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر ٧ ومما يدل علي هذا المعني حديث ابن مسعود المتفق عليه (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ فَقَالَ وَمَا لِي أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَتْ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ قَالَ لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ أَمَا قَرَأْتِ ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[ ٣٠ ]
قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ قَالَتْ فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ فَاذْهَبِي فَانْظُرِي فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا فَقَالَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتُهَا) وحديث العسيف المتفق عليه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا
إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالَ فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ)، ومارواه مالك في الموطأ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ
جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِك أُرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ
[ ٤٤ ]
﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾) ودل علي الاجماع باية فقال (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) النساء ١١٥ ويدل عليه الحديث المتفق عليه (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁
أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ فَقَالَ يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ قَالَ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ أَوْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ) فالنبي صلي الله عليه وسلم نسب حكم سعد بن معاذ الي الله مع انه كان اجتهادا منه ﵁
ودل علي القياس بما ذكرنا من الادلة فنحن لما قلنا بالقياس ما خرجنا عن مقتضي الاية ان القران تبيان لكل شيئ
ثم انه قيل في تأويل الاية الاولي ان المقصود بالكتاب ههنا انه اللوح المحفوظ قال ذلك الامام الطبري في تفسيره
قال (وأما قوله:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، فإن معناه: ما ضيعنا إثبات شيء منه) وهو مروي عن ابن عباس وابن زيد
[ ٤٥ ]
سابعا: وأما استدلالهم بالاية التي تنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله علي تحريم القياس فنقول ان العمل بالقياس عمل بالكتاب والسنة لاننا نقيس علي ما ثبت بالكتاب والسنة ثانيا ان الشرع دل علي مشروعية القياس وعمل به الصحابة ومن بعدهم قبل ان ان ياتي من نازع في القياس فانتم من شق عصا الامة وخالف الاجماع قال ابن كثير في تفسير الاية (أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ، لما قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يرضي رسول الله".
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٥) . فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.)
ثامنا: وأما قولكم ان القياس يؤدي إلي الاختلاف وان الله نهانا عن الاختلاف لانه يؤدي الي النزاع والضعف فقال (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فنقول ان النهي متوجه الي الامة في السياسة والحروب والامور العسكرية وسياق الايات يقرر ذلك قال تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧» الانفال ٤٥-٤٧
[ ٤٦ ]
فالايات تتحدث عن لقاء العدو ووجوب الصبر في ملاقاته وعدم التفرق والتنازع ففي هذا الموقف العصيب يجب ان تتحد الكلمة والا هلك المسلمون
قال الفخر الرازي (اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب: الأول: الثبات وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي. والثاني: أن يذكروا الله كثيرًا)
ثم انه ليس كل قياس ادي الي التنازع والخلاف ثم إن النهي ليس متوجه الي الخلاف في الرأي اذا كان مبني علي اجتهاد صحيح وقد اختلف الصحابة وفي حياة النبي صلي الله عليه وسلم فلم يعنف احدا وذلك لما قال لهم لا يصلين احدكم العصر الا في بني قريظة ولما اختلف عمر وعمار في التيمم وكالذين لم يجدا الماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء فاعاد احدهما ولم يعد الاخر فقال لهذا اصبت السنة وقال لمن اعاد نلت الاجر مرتين كل ذلك لما رأي النبي ان اصحابه اجتهدوا فيما فعلوا وغير ذلك من الحوادث ولو كان النهي متوجه الي الخلاف في الرأي المبني علي الاجتهاد لكانت الامة كلها اثمة لان المسلمين ما خلا عصر من عصورهم والا وقد اختلفوا في مسائل كثيرة
[ ٤٧ ]
تاسعا: استدلالهم بقوله تعالي (بما أراك الله) قالوا لا بما رأيت فنقول ان الاستدلال بالاية يؤيد ما ذهبنا اليه من القول بالقياس لانه يدخل فيما اراه الله لان ما اراه الله المقصود به الوحي اي القران والسنة واجتهاده ايضا لكنه اذا اخطأ في اجتهاده فان الله لا يقره علي الخطأ فينزل الوحي بتصحيح الخطأ. قال النبي ﷺ إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فبين أنه قد يقضي للرجل بشيء من حق أخيه) وهذا اجتهاد منه ولو كان عن وحي منزل لما اخطأ وقد عاتبه الله سبحانه علي اذنه لبعض المخلفين فقال (عفا الله عنك لم اذنت لهم) وعاتبه في اسري بدر
فقال (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) الأنفال ٦٧ فقال ﵊ ﴿لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلا عمر﴾ وذلك لان النبي صلي الله عليه وسلم وابا بكر رأيا إطلاق اسري بدر
رأي عمر قتلهم وهذا أيضا اجتهاد من عمر في حياة النبي صلي الله عليه وسلم ونزل الوحي بتصويب اجتهاده
وقد أمر الله رسوله بمشاورة المؤمنين فقال (وشاورهم في الامر) ولا تكون المشاورة الا عن اجتهاد فليس هناك
مشورة بعد انزال الحكم من الله.
[ ٤٨ ]