وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته: (قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^٢)، ولازم ذلك أن من لم يفقِّهه في الدين لم يُرد به خيرًا، فيكون التفقُّه في الدِّين فرضًا، والفقه في الدِّين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن مُتفقِّهًا، لكن من الناس مَن قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره؛ فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه.
_________________
(١) ينظر: الاختيارات ص ٤٨١.
(٢) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، من حديث معاوية ﵁.
[ ٦٠ ]
وأما القادر على الاستدلال؛ فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا. وقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال (^١).
_________________
(١) تقدم الخلاف في حكم التقليد للقادر على الاستدلال، وتقدم بيان بعض الحالات التي يعذر فيها بالتقليد. فمراده والله أعلم: بيان الفرق بين العاميِّ والقادر على الاستدلال، وهذا جوابٌ على اعتراض مقدَّر، وهو: أن غير المجتهد المطلق عاميٌّ وإن جلَّت مراتبهم، نص على ذلك ابن حجر الهيتمي وغيره. ينظر: الفتاوى الفقهية الكبرى ٢/ ٢٥٠، البحر المحيط ٨/ ٣٣٣. وجوابه:
(٢) … أنه قد اعترض على ذلك جماعة من الأصوليين كالزركشي في البحر المحيط، بل نص الأصوليون على إثبات درجة بين المجتهد والعامي، وهو الفقيه الذي لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، نص على ذلك الرازي والآمدي والقرافي والذهبي والزركشي وآخرون، وجميع من قال بإثبات درجة الاتباع؛ كابن عبد البر وشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم، بل إن جماهير العلماء على إثبات الدرجة المتوسطة بين المجتهد والعامي، وأن له أحكام تخصه.
(٣) … أن الحديث المذكور دل على التفريق بين الفقيه وهو من يعرف الأحكام بالأدلة، وبين العامي الذي لا يعرف الأدلة.
(٤) … أن الفرق بين القادر على الاستدلال والعامي أمر معروف بالعقل والعادة، ويدل عليه الوجدان. ثم إن تحديد من هو المجتهد أمر عَسِر إن لم يكن متعذرًا، وإن كانت شروطه معروفة عند الأصوليين، قال الرازي في المحصول (٦/ ٢٥): (واعلم أن الإنسان كلما كان أكمل في هذه العلوم التي لا بد منها في الاجتهاد كان منصبه في الاجتهاد أعلى وأتم وضبط القدر الذي لا بد منه على التعيين كالأمر المتعذر)، فتعليق النظر والاستدلال بالمجتهد دون غيره هو إغلاق لباب الاجتهاد.
[ ٦١ ]
والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يقبل التجزئ والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة، دون فن وباب ومسألة؛ وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه (^١).
_________________
(١) هذا جوابٌ على شبهة: أن الترجيح والنظر في الأدلة من عمل المجتهد المطلق، ونحن لسنا منهم. والجواب: أن الاجتهاد يكون مطلقًا في جميع الأبواب، وهذا من عمل المجتهد المطلق، وقد يكون في باب أو في مسألة، وهذا ما يسمى بـ: تجزؤ الاجتهاد، والمراد به: التمكُّن من استخراج بعض الأحكام دون بعض. والذي عليه جماهير الأصوليين: جواز تجزؤ الاجتهاد، قال ابن قدامة: (فليس من شرط الاجتهاد في مسألة: بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها: فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها، فمن نظر في مسألة المشرَّكة: يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفًا بالفرائض: أصولها ومعانيها، وإن جهل الأخبار الواردة في تحريم المسكرات، والنكاح بلا ولي؛ إذ لا استمداد لنظر هذه المسألة منها، فلا تضر الغفلة عنها، ولا يضره أيضًا قصوره عن علم النحو الذي يعرفه به قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وقس عليه كل مسألة)، وقال ابن السبكي: (فلا يشترط الفهم المذكور لغير المسألة التي يتعلق بها اجتهاده). بل إن القول بعدم صحة تجزؤ الاجتهاد يؤدي إلى عدم وجود مجتهد أصلًا، قال شيخ الإسلام: (وهذا حال أكثر علماء المسلمين، لكن يتفاوتون في القوة والكثرة، فالأئمة المشهورون أقدر على الاجتهاد والاستدلال في أكثر مسائل الشرع من غيرهم، وأما أن يدعيَ أن واحدًا منهم قادر على أن يعرف حكم الله في كل مسألة من الدين بدليلها، فمن ادعى هذا فقد ادعى ما لا علم له به، بل ادعى ما يعرف أنه باطل)، وبنحوه قال الرازي عن المجتهد المطلق: (وإن كان جاهلًا ببعض المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالمًا بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر). ولابن الزملكاني تفصيل جيد، قال: (الحق التفصيل: فما كان من الشروط كليًّا؛ كقوة الاستنباط ومعرفة مجاري الكلام وما يقبل من الأدلة وما يرد ونحوه، فلا بد من استجماعه بالنسبة إلى كل دليل ومدلول، فلا تتجزأ تلك الأهلية، وما كان خاصًّا بمسألة أو مسائل أو باب، فإذا استجمعه الإنسان بالنسبة إلى ذلك الباب أو تلك المسألة أو المسائل مع الأهلية؛ كان فرضه في ذلك الجزء الاجتهاد دون التقليد)، وبنحوه قال الزركشي. مثال ذلك: لو نظر من عنده ملكةٌ فقهيةٌ في مسألة زكاة العسل، فنظر في أقوال العلماء فيها وأدلتها وما يتصل بها من الإيرادات والأجوبة، وغلب على ظنه ألا أدلة أخرى في المسألة، فوجد في نفسه ميلًا لأحد الأقوال، وأداه اجتهاده إلىه؛ كان في حكم المجتهد المطلق في هذه المسألة، ولو كان في مسائل البيوع غير مجتهد. ينظر: المحصول ٤/ ١٦٤ - ٦/ ٢٥، روضة الناظر ٢/ ٣٣٧، شرح مختصر الروضة ٣/ ٥٨٥، سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٩١، نفائس الأصول ٩/ ٣٨٠٦، تيسير التحرير ٤/ ٢٥٠، بيان المختصر ٣/ ٢٨٨، منهاج السنة ٢/ ٢٤٤، البحر المحيط ٨/ ٢٤٢، نشر البنود ٢/ ٣٢٤، شرح الكوكب المنير ٤/ ٤٧٣، إجابة السائل ص ٤٠٣، إرشاد الفحول ٢/ ٢١٦.
[ ٦٢ ]