قال بعض الشافعية (^١): من اكتفى في فُتياه بقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع.
وذُكِر عن أبي الوليد الباجي أنه ذَكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال أبو الوليد: وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع). انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصًا (^٢).
_________________
(١) وهو ابن الصلاح. ينظر: أدب المفتي والمستفتي ص ١٢٥.
(٢) ينظر: الكوكب المنير لابن النجار ٤/ ٥٤٤. وما ذكره عن الباجي نقله عنه غير واحد، وعزاه الشاطبي لكتابه «التَّبيين لسنن المهتدين». ينظر: أدب المفتي والمستفتي (ص: ١٢٥)، الموافقات (٥/ ٨٩)، التحبير شرح التحرير (٨/ ٤١١٦).
[ ٥٦ ]
وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب «الإنصاف» وغيرهما (^١).
قال في «الاختيارات»: (وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعًا.
وشروط القضاء تُعتبر حسب الإمكان، ويجب توليةُ الأمثلِ فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولَّى مع عدمٍ أنفعُ الفاسقين وأقلهما شرًّا، وأعدل المقلِّدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع؛ قُدم فيما قد يظهر حكمه ويُخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم) انتهى (^٢).
_________________
(١) ينظر: الاختيارات ص ٤٨٠، والإنصاف ٢٨/ ٣١٣. وعقد الشاطبي في الموافقات (٥/ ٨٤) فصلًا في حال من يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال؛ اتباعًا لغرضه وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق، وذكر حكايات في ذلك. ثم ذكر كلام أبي الوليد الباجي الذي ذكره المؤلف، ومن تمام كلام أبي الوليد: (وإنما المفتي مخبرٌ عن الله تعالى في حكمه؛ فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حَكَم به وأوجبه، والله تعالى يقول لنبيه ﵊: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾).
(٢) ينظر: الاختيارات ص ٤٨٠.
[ ٥٧ ]