_________________
(١) في (أ): النص.
(٢) في (أ): المستقبل.
(٣) مسألة الانتقال من قول إلى قول، سواء كان المنتقل ملتزمًا لمذهب من المذاهب أو غير ملتزم، يذكرها الأصوليون بعبارات مختلفة، وقد فصل فيها المؤلف في ص وتُنظر فيما يلي: الإحكام للآمدي ٤/ ٢٣٨، المسودة ص ٤٧٢، البحر المحيط ٨/ ٣٧٥، بيان المختصر ٣/ ٣٦٩، التمهيد للإسنوي ص ٥٢٨، الغيث الهامع ص ٧٢٢، التيسير والتحرير ٤/ ٢٥٣.
[ ٦٥ ]
وإذا كان الإمام المقلَّد قد سمع الحديث وتركه، لا سيَّما إن كان قد رواه أيضًا؛ فمثل هذا لا يكون عذرًا في ترك النص، فقد بيَّنا فيما كتبناه في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» نحو عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبيَّنا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار (^١).
وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول، فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس، أو عمل بعض الأمصار، وقد تبيَّن لآخَر أن ظاهر القرآن لا يخالِفه، وأن نصَّ الحديث الصحيح مُقدَّم على الظواهر، ومقدم على القياس والعمل؛ لم يكن عذرُ ذلك الرجل عذرًا في حقه، فإن ظهور
_________________
(١) شرع شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب عن شبهة يوردها المقلِّدة، وهي: أن الإمام المقلَّد مجتهد عالم بما ورد في الكتاب والسنة لا يفوته منها شيء، ولا شك أن هذه السنة بلغت الإمام ولم يعمل بها لعذر من الأعذار، وهو أعلم مني ومن غيري ممن ذكر الحديث. وجواب الشبهة باختصار:
(٢) … أن العالم إن كان ترك العمل بالحديث لعذر، فلسنا معذورين في ترك العمل به، ومجرد ترك الإمام للعمل به ليس عذرًا مقبولًا شرعًا.
(٣) … أن العالم وإن كان أعلم منا، فإن الأعلم قد يفوت عليه شيء يُدركه غيره، كما وقع ذلك لعلماء الصحابة مع غيرهم.
(٤) … أن هذا العالم قد خالفه عالم آخر قد يكون أعلم بالسنة منه، وليس أحدهما أولى بالتقليد من الآخر.
(٥) … أن فتح هذا الباب يؤدي إلى الإعراض عن الوحي بالكلية. وقد أفاض الأمين الشنقيطي في الجواب عن هذه الشبهة في أضواء البيان ٧/ ٣٤١.
[ ٦٦ ]
المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا (^١) كان التارك للحديث معتقدًا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة النبوية، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ مَن بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض.
[جواب ثانٍ]
وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟
كانت هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر؛ فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما، كأبي موسى الأشعري وغيره لمَّا احتج بالكتاب والسنة (^٢)،
وتركوا
_________________
(١) في (أ): إن.
(٢) أخرج البخاري (٣٤٦)، ومسلم (٣٦٨)، من حديث شقيق بن سلمة، قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء، كيف يصنع؟ فقال عبد الله: لا يصلي حتى يجد الماء، فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي ﷺ: «كان يكفيك» قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك، فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية - يعني: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ كما في رواية مسلم-؟ فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنَّا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم، فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله لهذا؟ قال: «نعم» ..
[ ٦٧ ]
قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لمَّا كان معه السنة أن النبي ﷺ قال: «هذه وهذه سواء» (^١).
وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقولان، فقال ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!» (^٢).
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبة (٢٦٩٩٩)، والبيهقي في الكبرى (١٦٢٨٥) عن سعيد بن المسيب: «أن عمر ﵁ قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست». وذكر ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (٨/ ٥٢٤): أنه لم يلتفت أحد من الفقهاء إلى قول عمر؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «هذه وهذه سواء»، يعنى الخنصر والإبهام. انتهى بتصرف، والحديث أخرجه البخاري (٦٨٩٥)، عن ابن عباس ﵄، ولم أقف عليه من مسند معاوية ﵁.
(٢) أورده بهذا اللفظ: شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٥)، وابن القيم في زاد المعاد (٢/ ١٨٢). وجاء معناه عند أحمد (٣١٢١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٧٨) من طريق الفضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: «تمتع النبي ﷺ»، فقال عروة بن الزبير: «نهى أبو بكر وعمر عن المتعة». فقال ابن عباس: «ما يقول عُرَيَّة؟» قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: «أراهم سيهلكون أقول: قال النبي ﷺ، ويقول: نهى أبو بكر وعمر»، وحسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٦٦). وجاء عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢٣٧٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٧)، أن عروة قال لابن عباس: «ألا تتقي الله ترجعن في المتعة؟» فقال ابن عباس: «سل أمك يا عُرَيَّة»، فقال عروة: «أما أبو بكر، وعمر فلم يفعلا»، فقال ابن عباس: «والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونا عن أبي بكر وعمر»، وإسناده صحيح.
[ ٦٨ ]
وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبيَّن أن عمر يرد ما يقولونه، فألحُّوُا عليه، فقال: «أَمْرُ رسول الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع أم أَمْر عمر؟!» (^١)، مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس.
ولو فُتح هذا الباب؛ لوجب أن يُعرَض عن أمر الله ورسوله ﷺ، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٨٨٧٥)، وإسناده صحيح.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢١٢.
[ ٦٩ ]