نعم؛ قد يحتاج المتعلِّم في أول الطلب إلى دراسة المختصرات دون النظر في الأدلة؛ ليتصور مسائل الفقه وتسلسلها ومعرفة مظانها في كتب الفقهاء، فيَمُرَّ على جملة الفقه مرورًا سريعًا ليحقِّق شيئًا من ذلك، وهذا لا إشكال فيه؛ مواكبة للسنة الكونية في عدم القدرة على أخذ العلم جملة.
وقد يحتاج المتفقِّه إلى حفظ المختصرات والمتون؛ ليتذكر المسائل والشروط والقيود، ويستحضر العلم في صدره، وهذا دأب كثير من العلماء، فقد حفظ الموفق ابن قدامة وأخيه أبي عمر وغيرهما مختصر الخرقي، وحفظ ابن أبي الفهم الحرَّاني وأبو طالب البصري وغيرهما متن الهداية لأبي الخطاب، وحفظ الدجيلي وابن قندس وغيرهما كتاب المقنع، وحفظ كثير من أئمة الدعوة النجدية متن زاد المستقنع، فلا غضاضة في ذلك أيضًا.
وقد يعتني المتفقِّه بعبارات المتون والمختصرات عناية فائقة، وهذا أمر لا يُعاب، وقد جرى عليه عمل المحققين؛ كما جاء في ترجمة العلامة عبد الله أبا بُطين ﵀، فقد قال ابن حميد عنه: (إذا قرر مسألة يقول: هذي عبارة المقنع، مثلًا، وزاد عليها المنقِّح كذا ونقص منها كذا، وأبدل لفظة كذا بهذه) ثم قال: (وبموته فُقِد
[ ١٦ ]
التحقيق في مذهب الإمام أحمد، فقد كان فيه آية، وإلى تحقيقه النهاية، فقد وصل فيه إلى الغاية) ينظر: السحب الوابلة ٢/ ٦٣١.
ومع ذلك كله؛ فإن العناية بمثل هذه الأمور لا ينبغي أن تتعدى العناية بعلوم الآلة، بحيث لا تصُدُّه عن المقصد الأسمى في العلم من العناية بكتاب الله وسنة رسوله وآثار الصحابة والنظر فيها والبحث عنها، ولا يصرف همَّته لدراسة مختصرات المذهب أزمنةً طويلة دون الالتفات إلى نصوص الوحيين والبحث عن مراد الله تعالى، مع مُكْنَته على الاستنباط والفهم والترجيح، وقدرته على البحث والاطلاع.
فهذا المسلك الموصوف لك في التفقُّه هو الذي سار عليه المحققون من العلماء في كل مذهب من المذاهب، فقلَّ أن تجد عالمًا بعد القرن الرابع إلا وهو منتسب إلى أحد المذاهب الأربعة، وهو المسلك الذي يريد المؤلف ﵀ أن يصف لك طرفًا منه في هذه الرسالة المباركة بإذن الله.
[ ١٧ ]
نسأل الله تعالى أن يبصرنا في دينه، ويرشدنا لما يحبه ويرضاه، هو ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين
كتبه
عبد العزيز بن عدنان العيدان
١١ جمادى الأولى ١٤٣٩ هـ
جامع العويضة - الرياض
[ ١٨ ]